محمود ماضي

6

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

المقدمة الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على رسول اللّه وبعد : إن نبوة نبينا محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » حقيقة ثابتة في أنفسنا نحن المسلمين ، الإيمان بها نفس يتردد فينا ، فهل لنا أن نقيم الدلائل على صحة أنفاسنا المترددة بين جوانحنا ؟ ! لقد شغلت نبوة محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » كثيرا من الفلاسفة والمؤرخين ، مسلمين ، وغير مسلمين : مستشرقين ومنصرين . أما المسلمون : فلأنهم معنيون برسولهم ، وأما غيرهم ، فالبعض تناول نبوته وسيرته بشيء من الإنصاف ، أما البعض الآخر فلم يستطع مجاوزة نطاق التعصب لمعتقده وظل حبيس هذه الدائرة غير المحمودة في معايير المنهج العلمي . . لم يستطع الحياد في الحكم والنزاهة في القصد والتجرد من الهوى ، أي لم تقم أحكامه على العقل مبرأ من الهوى وأحكام العقل معايير صحيحة إذا ما آزرتها الفطرة وصاحبها الإنصاف . والاستشراق فلسفة غربية متعددة الأهداف ، ومن أبرز أهدافها النيل من الإسلام ونبي الإسلام ، فلقد حاولوا - إلا القليل منهم - ، تحليل نصوص القرآن الكريم ، وكذلك تحليل نصوص الأدب العربي الجاهلي علهم يجدوا امتداد الأول عند الأخير ، فأخفقت المحاولة ، لجأ بعض المستشرقين إلى إثارة شبهة التأثر والأخذ من التوراة والإنجيل ، فباءت محاولتهم - أيضا - بالفشل ، كما سيتضح لنا من خلال بحثنا هذا . في العصر الحالي ظهرت محاولة - مغفلة بالعلمية والمنهجية - إرجاع القرآن إلى عامل باطني ، داخلي ، فليس ثمة وحى من خارج النبي « صلّى اللّه عليه وسلّم » المتلقى ، وإنما انبعاث من داخل النبي ، أي حديث نفسه وتوقد ذهنه ، أو كما تصور « مونتجمرى واط » حين أرجع نبوة محمد - دون نبوة غيره من الأنبياء - إلى التصور الخلاق أو التصور الخالق ، فالوحي إلى نبينا « صلّى اللّه عليه وسلّم » لا يعدو نوعا من النشاط الذهني المتوقد ، كما هو الحال عند بعض الموهوبين . هكذا كان الإسلام بالنسبة لهم من عمل الشيطان ، والمسلمون ليسوا سوى نوع من المتوحشين ، فقد كانوا يقولون : « في العالم فئتان : نحن والبرابرة . . . والبرابرة في نظرنا ، أو الشرق ، هو كل أسيا وإفريقيا . . . أي أننا نضع في مكان