محمود ماضي
50
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
الذي يوحى بإذنه ما يشاء ، كما فرق بين ذلك وبين المتكلم في قوله تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ إلى قوله تعالى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [ النساء : 163 - 164 ] ففرق بين الإيحاء العام المشترك بين الأنبياء وبين تكليمه موسى ، كما فرق بين الإيحاء وبين إرسال رسول يوحى بإذنه ما يشاء « 1 » . هذه مراتب الوحي الخاص الذي لا يكون لغير الأنبياء ، وذكر الإمام ابن القيم في مدارج السالكين مراتب أخرى دون الوحي الخاص هي مرتبة التحديث أو الإلهام « 2 » . نخلص مما سبق إلى أن النبوة « ليست صفة راجعة إلى النبي ولا درجة يبلغ إليها أحد بعلمه وكسبه ولا استعدادا نفسيا يستحق به اتصالا بالروحانيات ، بل رحمة من اللّه يمن بها على من يشاء . . » « 3 » . كيف كان يأتي الوحي ؟ : لا شك في تلقى الملك من اللّه تعالى ثم تلقى النبي منه ، أما « صفة تلقى الملك من اللّه فلا نعلمها لأنها من الغيب ولا صفة تلقى النبي من جبريل لأنه من شأن النبوة » « 4 » . أما عن كيفية مجىء الوحي ، فيقول الرسول « صلّى اللّه عليه وسلّم » : « أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده على فيفصم عنى وقد وعيت ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمنى فأعي ما يقول » « 5 » . ذهب العلماء في طرق التنزيل مذهبين : الأول : يقول بانخلاع « النبي من صورة البشرية إلى صورة الملكية وأخذه من جبريل » « 6 » لأن النبي إذا « شارك الناس في البشرية والإنسانية من حيث الصورة باينهم من حيث المعنى ، إذ بشريته فوق بشرية الناس لاستعداد بشريته لقبول الوحي :
--> - ص 228 سنة 1357 ه ) . ونسأل دىبور : ما رأيك في اليهودية . ألا تؤمن بها ؟ فإن أجاب بنعم . فلا محل لسؤاله وتهكمه لأن الذي جاء بالتوراة متوسط جسماني هو موسى عليه السلام . وإن أجاب : بلا . فهو كافر باليهودية وعهدها القديم كافر بالنصرانية ، ومن ثم يقول ولا حرج ، فإن لم يستح فليصنع ما يشاء . ( 1 ) - ابن تيمية : الصفدية ص 204 ، تحقيق د . محمد رشاد وسالم مطابع حنيفة بالرياض 1396 ه ( 2 ) - ابن القيم : مدارج السالكين ج 1 ص 45 - 51 عام 1392 ه . ( 3 ) - الشهرستاني : الملل والنحل ص 84 بهامش الفصل 1968 م . ( 4 ) - رشيد رضا : تفسير المنار ج 1 . ( 5 ) - ابن حجر : فتح الباري . . . ج 1 ص 45 ، والدهلوي : حجة الله البالغة ج 2 ص 206 دار التراث بالقاهرة . ( 6 ) - السيوطي : الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 44 ط 3 الحلبي القاهرة .