محمود ماضي
42
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
البحث العلمي » « 1 » ، فبعض مناهجهم تنضح بالتعصب الذميم ، وتتخطى أصول المنهج العلمي . فضلا عن نزعة التعالى والغرور . فالمستشرق يتعامل مع موضوعه - وهو هنا الإسلام والمسلمين - تعامل المغرور الذي يستأنس في نفسه المقدرة الفائقة - وموضوعه العجز - يشعر أن أصوله قوية ومتينة ، وأصول الغير أو الآخر منهارة أو هباء ونأخذ مثلا على ذلك « ماسينيون » وقد غمره الشعور بالرحمة المسيحية الحانية على الشرق وأهله ، فيقول : « فيما يخص الشرقيين ، علينا أن نلجأ إلى علم الرحمة الحانية هذا ، إلى هذه المشاركة حتى في بناء لغتهم وبنيتهم العقلية ، التي ينبغي بحق أن نشارك فيها ، لأن هذا العلم في نهاية المطاف يشهد إما لحقائق هي لنا أيضا ، أو لحقائق فقدناها وعلينا أن نستعيدها . وأخيرا لأن كل ما هو موجود هو ، بمعنى عميق خير بطريقة ما . هؤلاء البشر المساكين المستعمرون لا يوجدون لأغراضنا وحسب بل يوجدون بذاتهم ولذاتهم « 2 » . وحول نزعة التعالى والبعد عن الموضوعية يقول الدكتور « فرانتز روزنتال » : ومن المزالق التي يندر أن يتحاشاها الباحثون الغربيون عند تقديرهم البحث العلمي عند المسلمين أنهم يضعون مقاييس صارمة يحكمون بموجبها على ما أنتجه الفكر الإسلامي ، مقاييس أشد صرامة من تلك التي نطبقها على ذواتنا نحن الغربيين . فإن العدل والإنصاف يقتضياننا أن نميز بين مختلف أنواع النشاط الأدبي ومراتبه التي من شأنها أن تترك أثرا بعيد الغور في طبيعة النتاج العلمي الرفيع ، على أننا قلّ أن نرى عالما غربيا يراعى هذا التمييز عندما يحكم على البحث العلمي عند المسلمين » « 3 » . وأخيرا ، وبعد الإشارات السابقة عن بعض مناهج الكثير من المستشرقين في تناولهم الإسلام وعلومه ، فإننا لا نستطيع أن نخرج إلا بدرس واحد هو : الريبة وعدم الثقة بكثير من الكتابات التي تعرض تحت : الأكاديمية والمنهجية وهي تخفى آراء عقائدية وأحقادا مختلفة ، فضلا عن الأحكام المسبقة وما لها من تأثير - شعوري أو لا شعوري - يؤدى إلى اختلال المنهج . وأين هذه الادعاءات المنهجية من قول اللّه جل وعلا في قرآننا الكريم :
--> ( 1 ) - د . حسن الهراوى : ضرر المستشرقين أكثر من نفعهم مقال بمجلة الهلال . ع 3 ، 1933 م . ( 2 ) - د . إدوارد سعيد : السابق ص 273 . ( 3 ) - د . فرانتز روزنتال : مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي ترجمة د . أنيس فريحة ص 19 . دار الثقافة . بيروت 1400 ه - 1980 م .