محمود ماضي
28
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
كلمة في المنهج إن المنهج الذي يتبعه جل المستشرقين في دراساتهم للإسلام عامة ، والوحي القرآني خاصة يقوم على مسلمة - بالنسبة لهم - تلك هي : أن محمدا « صلّى اللّه عليه وسلّم » ليس نبيا يوحى إليه ، ثم يسيرون في هذا الاتجاه للتدليل على صحته ، ولا شك أن هذا حكم أو نتيجة وضعوها وحددوها قبل وضع المقدمات ، ومع هذا يحاولون إلباس مناهجهم - المدعاة - ثياب العلمية والمنهجية والموضوعية . فالمستشرق الألماني « رودى بارت » يقول : « . . . فنحن معشر المستشرقين ، عندما نقوم اليوم بدراسات في العلوم العربية والعلوم الإسلامية لا نقوم بها قط لكي نبرهن على ضعة العالم العربي الإسلامي ، بل على العكس ، نحن نبرهن على تقديرنا الخاص للعالم الذي يمثله الإسلام ومظاهره المختلفة والذي عبر عنه الأدب العربي كتابة . ونحن بطبيعة الحال لا نأخذ كل شئ ترويه المصادر على عواهنه دون أن نعمل فيه النظر ، بل نقيم وزنا فحسب لما يثبت أمام النقد التاريخي أو يبدو وكأنه يثبت أمامه ، ونحن في هذا نطبق على الإسلام وتاريخه ، وعلى المؤلفات العربية التي نشتغل بها المعيار النقدى نفسه الذي نطبقه على تاريخ الفكر عندنا وعلى المصادر المدونة لعالمنا نحن » « 1 » . ما ذهب إليه « بارت » لا غبار عليه ، إلا ما يبدو أنه خلط بين العقيدة الإسلامية والفكر الإسلامي فهل يصح وضع العقيدة بجوانبها الغيبية على محك البحث والنظر العقلي ؟ والعقل البشرى ناقص ، وإذا أجاب بارت : بنعم . فهل يقبل أن نضع العقيدة النصرانية على نفس المحك ؟ أم أن عقيدتهم من الغيبيات فلا تعرض على العقل ومن ثم يؤمن بها وهو مغمض العينين ؟ ! على كل حال « القوم يدرسون العلوم الإسلامية العربية ، ويضعون نظريات ويكونون آراء في أثناء ما يقومون به من دراسات ، ويهتمون بتقديم أدلة وأسانيد لهذه الآراء والنظريات ، يستمدونها من المراجع الإسلامية نفسها ، وهذا العمل في ظاهره عمل علمي سليم . ولكن عند الفحص الدقيق أثبت أن كثيرا منه مصنوع ، وكثيرا ما يكون الدافع إليه الرغبة في التجريح ، وتوهين العقيدة الدينية والشريعة الإسلامية » « 2 » . يقول ليوبولد فايس ( محمد أسد ) : « . . . أما تحامل المستشرقين على الإسلام فغريزة موروثة ، وخاصة طبيعية تقوم على المؤثرات التي خلفتها الحروب الصليبية ، بكل ما لها
--> ( 1 ) - بارت : الدراسات العربية . . . ص 10 مصدر سابق . ( 2 ) - إبراهيم اللبان : المستشرقون والإسلام ص 32 سنة 1970 م .