محمود ماضي

174

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

الموضوعية ، ومعالجة أخطاء القدامى . ويعترف « سوذرن » بذلك ، فيقول : « . . . وهكذا فإنه في ضوء العهد القديم الذي جعل فيه المسلمين أعقابا لإسماعيل - وجعلهم أعقابا لهاجر الجارية المصرية - أمكن فهم أخلاق وسلوك هؤلاء - أي المسلمين ويطلق عليهم الرازانيون - وما كان ( بدا ) - هو عالم بنصوص الكتاب المقدس في أوائل القرون الوسطى - أول من فعل ذلك ، كما لم يكن الأخير ، بيد أن أهمية ما قام به تكمن في أنه أول من أدخل المسلمين في تفسير العهد القديم وصار الآخر بعده بمثابة كليشية يستعمله الجميع في شروح الكتاب المقدس وخارجها » « 1 » 4 - وبمقتضى ما سبق فإن الزعم بأن الاستشراق المعاصر قد تخلى عن الأفكار القديمة والتي كانت تسيء إلى الاسلام ونبي الإسلام ، غير صحيح ، فمن الواضح أن صورة العصور الوسطى النصرانية للإسلام قد ظلت في جوهرها دون تغيير ، وإنما نفضت عنها الثياب القديمة لأجل أن تضع عليها ثيابا جديدة أقرب إلى العصر ، وتتعدد أمثلة الإصرار على الأفكار العتيقة سواء فيما يتعلق بالقرآن ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم أو ما يتعلق منطقيا بالعقيدة والشريعة والتاريخ في الإسلام » « 2 » 5 - الاضطراب - أو قل الفوضى - في تطبيق المناهج ، كمحاولاتهم إخضاع ما هو غيب مناهج مادية صرفة ، علما بأنه إذا أخضع الغيب للحس والعقل لا يكون غيبا ولا يكون دينا « 3 » من ناحية أخرى لا يريد المستشرقون أن يستغل المسلمون نفس المقاييس التي استخدموها للتشكيك في الإسلام ، لأنه لو تمكن المسلمون من استغلالها وتطبيقها على عقيدة المستشرقين لاضطر هؤلاء إلى أن يسلموا على الأقل بأن الدين لا يجب أن يخضع لمثل هذه المقاييس . يقول الدكتور مصطفي السباعى : « . . . ترى لو استعمل المسلمون معايير النقد العلمي التي يستعملها المستشرقون في نقد القرآن والسنة ، في نقد كتبهم المقدسة ، وعلومهم الموروثة ، ما ذا كان يبقى لهذه الكتب المقدسة والعلوم التاريخية عندهم من

--> ( 1 ) - ريتشارد سوزرن : صورة الاسلام في أوروبا في القرون الوسطى ص 53 بيروت 1984 م . ( 2 ) - د . طيباوى : المصدر السابق ص 35 . ( 3 ) - أنظر : مباحث في المعرفة في الفكر الاسلامي للمؤلف ، د . حسن حنفي : التراث والتجديد ص 90 101 مصدر سابق .