محمود ماضي
169
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
الخاتمة موضوع الوحي من أوسع الموضوعات وأدقها التي تناولها المفكرون الإسلاميون بالبحث والدرس والتحليل وإقامة الأدلة العقلية على إمكان الوحي وصحته وسلامته ، كذلك تناوله فريق كبير من المستشرقين في دراساتهم وأبحاثهم ، ولكن اتضح لنا - من خلال هذا البحث - الهوة الهائلة التي تفصل بين الفكرين : الفكر الإسلامي ، والفكر الغربى الاستشراقى ففي حين يقوم الأول على القرآن والسنة ، يقوم الثاني على العقل الأرسطى اليوناني . الأول يقوم على ميتافيزيقا القرآن - إذا جاز التعبير - والثاني يقوم على الميتافيزيقا الأرسطية وهي مخالفة كل المخالفة لإلهيات المسلمين . الوحي كما جاء في القرآن الكريم وأخبرت به السنة تعليم خاص وهو المصدر الرئيسي لعلم الأنبياء ، وهو بعد ذلك تجربة شخصية ارتبطت أولا وأخيرا بمن تعرض لها ، وهو تجربة فرضت من اللّه - جل وعلا - ولم تأت قط بمشيئة إنسان . إن أعظم دليل على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو لا يزال قائما ، موجودا بين أيدينا هو القرآن الكريم ، ذلك الذي أعجز أساطير البيان من العرب مع أنه منظوم من نفس الحروف والكلمات التي ينظمون بها كلامهم . ولما أعجز القرآن أصحاب اللسان العرب ، فهو لغيرهم أعجز . لقد ثبت عند جمهور العلماء - وعند اليهود والنصارى - تقرير نبوة الأنبياء بالمعجزات - فضلا عن الخبر - وثبت بدلالة الإخبار والحس والمشاهدة : ما أجرى اللّه جل وعلا على يدي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من معجزات حسية ، مادية ، تماما كالأحداث التي وقعت للأنبياء السابقين . فإن ردوا التواتر قلنا : إن المعجزة لا تدل على الصدق ، فحينئذ تبطل نبوة سائر الأنبياء ، وإن اعترفوا بصحة التواتر ، واعترفوا بدلالة المعجزة على صدق من أجريت على يديه - ثم إنهما حاصلان في حق محمد - وجب الاعتراف قطعا بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ضرورة عند الاستواء في الدليل لا بد من الاستواء في حصول المدلول « 1 » وهم - أي أهل الكتاب - محجوجون بما ثبت عندهم من الأخبار عن الصادق المصدوق صلّى اللّه عليه وسلّم . كما بطل زعم العيسوية من اليهود : أن إرسال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كان إلى العرب خاصة ، لان مقتضى تسليمهم برسالته إلى العرب أن يصدقوه في كل ما جاء
--> ( 1 ) - الرازي : مناظرة في الرد على النصارى ص 22 مصدر سابق .