محمود ماضي

154

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

فهي فضلا عن مجافاتها لعصمة النبوة وحفظ الذكر من العبث والتحريف ، فإن سياق السورة ذاتها ينفيها نفيا قاطعا ، إذ أنه يتصدى لتوهين عقيدة المشركين في الآلهة وأساطيرهم حولها ، فلا مجال لإدخال هاتين العبارتين في سياق السورة بحال . حتى على قول من قال : إن الشيطان ألقى بهما في أسماع المشركين دون المسلمين فهؤلاء المشركون كانوا عربا يتقنون لغتهم . وحين يسمعون هاتين العبارتين المقتحمتين ، ويسمعون بعدها : أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ؟ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ . . . ويسمعون بعد ذلك : إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ . إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ، وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ويسمعون قبله : وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى حين يسمعون هذا السياق كله فإنهم لا يسجدون مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لأن الكلام لا يستقيم ، والثناء على آلهتهم وتقرير أن لها شفاعة ترتجى لا يستقيم . وهم لم يكونوا أغبياء كالأغبياء الذين افتروا هذا الروايات التي تلقفها منهم المستشرقون مغرضين أو جاهلين « 1 » ثانيا : ما ذهب إليه الإمام الفخر الرازي نقلا عن الإمام البيهقي من أن : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ، كما أن رواتها مطعون فيهم ، فضلا عما جاء في صحيح البخاري : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ سورة النجم وسجد وسجد المسلمون والمشركون ، والإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق وروى هذا الحديث من طرق كثيرة ، وليس فيها البتة حديث الغرانيق « 2 » ثالثا : ما ذهب إليه الشيخ محمد عبده : أن العرب لم يرد في نظمهم ولا في خطبهم وصف لآلهتهم بأنها الغرانيق ، ولم يكن مثل ذلك جاريا على ألسنتهم . فالذي ورد أن الغرنوق والغرنيق اسم لطائر مائي أسود أو أبيض وللشاب الأبيض الجميل . وكل ذلك لا يلائم معنى الآلهة أو وصفها عند العرب « 3 » رابعا : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أرسل اللّه - جل وعلا - إليه الملك بوحيه ، فإنه يخلق له العلم به حتى يتحقق أنه رسول من عنده ، ولولا ذلك لما صحت الرسالة ، ولا تبينت النبوة ، فإذا خلق اللّه له العلم به تميز عنده من غيره ، وثبت اليقين ، واستقام سبيل

--> ( 1 ) - سيد قطب : في ظلال القرآن ج 6 ص 3420 الطبعة العاشرة . دار الشروق . ( 2 ) - الإمام الرازي : التفسير الكبير ج 6 ص 193 . ( 3 ) - د . محمود حمدى زقزوق : الإسلام في الفكر الغربى ص 44 .