محمود ماضي

150

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

الشاعر عن وصف النار يقلد أسلوب التوراة ، وعندما يشرع في وصف الجنة يستخدم عبارات القرآن ، وعندما يقص التاريخ الديني يلجأ أحيانا إلى الأسطورة الشعبية « 1 » . ومع أننا نرفض أن تنزل السيرة النبوية منزلة أي رواية تاريخية لبعدها الديني والعقدي ، إلا أننا نرى أن نقد الرواية التاريخية مطلوب إن لم يكن ضروريا ، والمستشرقون تناولوا السيرة النبوية من خلال منهج نقدي مبالغ فيه بينما شعر « أمية » لم يتعرض لمثل هذا المنهج « والغريب في أمر المستشرقين في هذا الموضوع وأمثاله ، أنهم يشكون في صحة السيرة نفسها ، ويتجاوز بعض الشك إلى الجحود ، فلا يرونها مصدرا تاريخيا صحيحا ، وإنما هي عندهم . . طائفة من الأخبار والأحاديث تحتاج إلى التحقيق والبحث العلمي الدقيق ، ليمتاز صحيحها من منحولها ، هم يقفون هذا الموقف العلمي من السيرة ويغلون في هذا الموقف ، ولكنهم يقفون من أمية وشعره موقف المتيقن المطمئن ، مع أن أخبار أمية ليست أدنى إلى الصدق ولا أبلغ في الصحة من أخبار السيرة فما سر هذا الاطمئنان الغريب إلى نحو من الأخبار دون الآخر ؟ أيكون المستشرقون أنفسهم لم يبرءوا من هذا التعصب الذي يرمون به الباحثين من أصحاب الديانات ؟ » « 2 » . هذا النقد له اعتباره ، ويمكن الاعتماد عليه في قياس ما كتب المستشرقون عن الإسلام . وهناك عقبة يستحيل على المكابرين من المستشرقين تذليلها ، لأن في هذا الوقت ، لم تكن قد وجدت بعد توراة ولا إنجيل باللغة العربية « 3 » . ووجود هذه الوثائق بلغات أجنبية جعلها حكرا لبعض العلماء المتحدثين بأكثر من لغة الذين حفظوها بعناية « 4 » . فضلا عن المستوى الثقافي المتدنى لليهود في جزيرة العرب يقول ابن خلدون : « إذا تشوقت العرب إلى معرفة شئ مما تتشوق إليه النفوس البشرية من أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود ، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدون منهم ، وهم أهل التوراة من اليهود ، ومن تبع دينهم من النصارى . وأهل التوراة الذين

--> ( 1 ) - د . محمد عبد اللّه دراز : مدخل إلى القرآن الكريم ص 143 - 144 . ( 2 ) - د . طه حسين : في الأدب الجاهلي ص 143 ط لقاهرة 1958 م . ( 3 ) - أكد الدكتور GRAF أنه لم يظهر الكتاب المقدس باللغة العربية إلا بعد ذلك - بعد البعثة المحمدية - بقرون عديدة ولم تكن الحاجة ملحة لإنجيل باللغة العربية إلا في القرن التاسع والعاشر ( مجلة العالم الإسلامي . إبريل 1939 ) عن د . دراز : مدخل إلى القرآن العظيم . هامش ص 141 . ( 4 ) - د . دراز : مدخل إلى القرآن العظيم ص 141 .