محمود ماضي

145

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

المبحث الرابع رد القرآن إلى أصول يهودية ونصرانية تحدثنا فيما سبق عن زعم المستشرقين أن محمدا « صلّى اللّه عليه وسلّم » كان قارئا كاتبا ، وكشفنا زيف هذا الزعم ، ودللنا على أن محمدا لم يقرأ كتابا ولم يخطه بيمينه . كما كشفنا عن ضلال الادعاء بلقاءات عديدة لمحمد مع ورقة بن نوفل قبل بدء الوحي وبعده ، واتضح بجلاء أنه لقاء واحد بعد بدء الوحي ، وكان بمبادرة من أم المؤمنين خديجة ، وكشفنا عن بعض الروايات التي تقول إن خديجة وحدها هي التي ذهبت إلى ابن عمها ورقة تستطلع رأيه فيما رأى وسمع رسول اللّه « صلّى اللّه عليه وسلّم » في غار حراء . والآن نتناول زعما آخر ، وجهلا صراحا ، يكشف عن إصرار كثير من المستشرقين على أن محمدا كان قارئا كاتبا ؛ بدلالة كثرة مواطن التشابه بين القرآن وكتب العهدين : القديم والجديد . فما هي إذن أوجه الشبه ، أو ما هي مواطن الشبه بين القرآن والتوراة والإنجيل ؟ وهل في التشابه دلالة على أخذ القرآن منهما ؟ هل بالضرورة ما وجد التشابه أن يكون اللاحق أخذ من السابق ؟ . وإذا وجد التشابه ألا يمكن رده إلى علة أخرى غير الاطلاع والنقل كوحدة المصدر مثلا ؟ وإذا كان التشابه يقتضى أخذ اللاحق عن السابق كقاعدة مضطردة عند المستشرقين من اليهود والنصارى ، فما تعليلهم للتشابه لدرجة التطابق بين الإنجيل وكتب البراهمة والبوذية وغيرها من الديانات الوضعية ؟ يجمع الكثير منهم على أن الإنجيل كتاب إلهي ، فهل يصح - بمقتضى قاعدتهم - أن يأخذ الإلهى المعصوم عن البشرى الناقص ؟ وإذا كان محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » قد قرأ توراتهم وإنجيلهم وأخذ منها القصص والتشريعات والأخلاقيات . . و . . فكيف يعللون وجود قصص في القرآن ليس في عهديهما ؟ وهذا القصص أحداث وقعت قديما بل موغلة في القدم . كيف عرف محمد هذه الأخبار التي وقعت في الأزمان السحيقة ، وهي غير موجودة عندهم ؟ قد يقول قائل منهم : مخيلة محمد المبدعة وخياله الشعرى الرائع . وعندئذ لا يكون لنا كلام مع السفهاء .