محمود ماضي
143
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
متناقضات الرواية ، وهي السمة البارزة في مختلف صياغات الأناجيل ، بل هو يظهر أيضا - لكل من يشرع في دراسته بموضوعية وعلى ضوء العلوم - طابعه الخاص وهو التوافق التام مع المعطيات العلمية الحديثة . بل أكثر من ذلك - وكما أثبتنا - يكتشف القارئ فيه مقولات ذات طابع علمي من المستحيل تصور أن إنسانا في عصر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قد استطاع أن يؤلفها . إن مقارنة عديد من روايات التوراة مع روايات نفس الموضوعات في القرآن تبرز الفروق الأساسية بين دعاوى التوراة غير المقبولة علميا وبين مقولات القرآن التي تتوافق تماما مع المعطيات الحديثة . . . فبينهما فروق شديدة الأهمية تدحض كل ما قيل ادعاء - ودون أدنى دليل - عن نقل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم للتوراة حتى بعد نص القرآن . « ولا يستطيع الإنسان تصور أن كثيرا من المقولات ذات السمة العلمية كانت من تأليف بشر وهذا بسبب حالة المعارف في عصر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لذا فمن المشروع تماما أن ينظر إلى القرآن على أنه تعبير الوحي من اللّه . . . إن صحته أمر لا يمكن الشك فيه . وحيث أن احتواءه على المعطيات العلمية المدروسة في عصرنا تبدو كأنها تتحدى أي تفسير وضعي . . . » « 1 » نخلص مما سبق إلى أن أقوال المستشرقين تضاربت حول القرآن الكريم ومحاولة رده إلى أصول يهودية ونصرانية ، فتهافتت أقوال البعض فلم تحظ بعناية الرد ، أما المزاعم المنمقة والمتدثرة بالعلمية والمنهجية والحيدة - كأقوال واط - فجاءها الرد من كتبهم - المقدسة - وقد لجئوا إلى بتر النصوص ومقارنتها بنصوص أخرى عندهم فكان أحرى بنا - دون إسفاف - الكشف عن زيف ما في أيديهم ، بمثل هذه المقارنات . القرآن الكريم كلام اللّه تعالى أوحاه إلى عبده ونبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بشهادة نفسه : التحدي القائم والمستمر إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها وما كشف عنه المستشرق الفرنسي موريس بوكاى » وأخيرا ، فلقد تعرت نوايا المستشرقين مما جعلني أجزم أو أكاد أجزم : لو أن القرآن الكريم جاء خلوا من قصص الأمم البائدة أو قصص الأنبياء السابقين مع أقوامهم . لو جاء القرآن خلوا منها لقالوا : إن هذا الكتاب من تأليفك يا محمد لأنه لم يشر إلى النبيين السابقين وما كان من أممهم معهم . وأنّى لك يا محمد بهذا الغيب الماضي الموغل في القدم ؟
--> ( 1 ) - بوكاى : السابق ص 285 ، 286