محمود ماضي
128
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
هذا الكلام ترديد لكلام « درمنغام » ، فضلا عن أفكار « أرنست رينان » في الموسوعة البريطانية ، حيث صور المجتمع العربي في مكة بأنه كان مجتمعا موحدا يعبد اللّه الواحد ، وكان يصدر عن عقيدة التوحيد . ثم إن « واط » كشف عن حقيقة منهجه في تناوله للإسلام ، حين قال : « . . . ذكر الحوادث التاريخية ليس بعيدا عن الاهتمام العقدي ، فإن مؤيدى علم الاجتماع المعرفى يرون أن الأفكار العقدية والفلسفية ذات مرجع سياسي أو اجتماعي » « 1 » . هكذا ( ! ) الأفكار العقدية مصدرها - أحداث سياسية أو اجتماعية ، على كل حال « واط » يزيد موقفه وضوحا وتحديدا ، فيذكر أن عالم الاجتماع العلمانى يقبل آراء المتدينين كحقائق اجتماعية ، وليس كحقائق إيمانية غيبية . أما كونها حقيقة ( خاصة ما يثبت عن طريق الوحي الإلهى ) أو غير حقيقية ، فهذا لا يدخل في دائرة اهتمام العالم الاجتماعي . وإنما يهتم بذلك الرجل المتدين . . . والأول يتعامل مع هذه العقائد من خلال الواقع المشاهد . و « واط » يفضل منهج عالم الاجتماع على نظرات المتدين ، باعتبار أن العالم الاجتماعي يعتمد على النظرة الموضوعية - حسب زعمه - الخالية من ذاتية المتدين لذلك نجده يصور لنا محمدا مصلحا اجتماعيا اشتراكيا أهمه مشاكل قومه الاجتماعية والسياسية والدينية ، ومحمد كاشتراكى أخذ يفكر في طريقة للإصلاح ، فكانت العزلة في غار حراء ، بعيدا عن ضجيج مكة ، وحتى تأتى أيديولوجية محمد متوافقة مع حالة المجتمع . دوافع العزلة كما تصورها هذا المستشرق أمران : الأول : الإصلاح الاجتماعي الذي وجده محمد فرصة لتحقيق ما كان يتطلع إليه وانطوت عليه نفسه طويلا وهو رغبته في النبوة ( ! ) . الثاني : ليكفر عن خطاياه ، وهذا يفترض أن محمدا كان - وحاشاه - فحاشا ، لعانا ، طعانا ، فأراد العزلة لذلك ( ! ) . هل هذه استنتاجات علمية ؟ وهل هذه تقنع حتى العقل الأوربى ؟ أما العقل المسلم فإنه موقن ، مصدق بما قاله ربنا جل وعلا في شأنه « صلّى اللّه عليه وسلّم » : وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ ( 86 ) [ القصص : 86 ] أي لم يكن يرجو أن يكون نبيا أو يتلو قرآنا ، ولا يعرف ذلك .
--> ( 1 ) - : Britian ، IslamicPhilo SmallandTheology ، W . M . Watt