محمود ماضي
115
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
هذا هو إسلامنا التقليدى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والذي يرتاب فيه الباحث الغربى الحديث . ويبدو أن « واط » لم يستطع أن يفرق بين الارتياب والرفض والإنكار ، فللباحث أن يرتاب فيما يدعيه خصمه إلى أن يثبت لنفسه أو لخصمه فإن كان لخصمه قبله حتى لو كان فيه تأييدا لما كان ينكره من قبل ، وإن كان له عده تأييدا لدعواه . غير أن حاصل كلام « واط » الرفض والإنكار دون إبداء الأسباب أو الأدلة ، فقد سارع - دون مناقشة - إلى إصدار حكمه ، كشفا عن خبيئة نفسه ، فيقول : « وبالعكس لقد كان كثير من المكيين يقرءون ويكتبون ، ولذلك يفترض أن تاجرا ناجحا كمحمد لا بد أن يكون قد عرف شيئا من هذه الفنون » . لم يف « واط » بما قاله في مقدمة كتابه « محمد في مكة » من أنه لن يقول شيئا يمس دين المسلمين ولا يجرح مشاعرهم ، لقد أساء المستشرق إلى ديننا ، وإلى مشاعرنا . لقد أراد هدم القرآن ، في سبيل تأييد موقف اتخذه مسبقا . وفيه ، وفي أمثاله يصدق قول الدكتور ( سنوك هير غونجة ) : « إن سيرة محمد الحديثة تدل على أن البحوث التاريخية مقضى عليها بالعقم إذا سخرت لأية نظرية أو رأى سابق » « 1 » . وإذا كان قد كان قد افترض أن تاجرا ناجحا كمحمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » قد تعلم شيئا من الفنون والعلوم التي كانت تدرس في مكة وما حولها ! فلما ذا لم يدلل على صحة فرضه هذا ؟ من جهة أخرى : هل البحث العلمي الأصيل ، أو الفرض العلمي الجاد يحتمل مثل هذا التأكيد الذي أطلقه ( واط ) ، ( لا بد ) ؟ أم أنها كما قلنا نتيجة معدة سلفا ؟ وإذا كان القسيس « واط » أكد أن محمدا « صلّى اللّه عليه وسلّم » كان قارئا كاتبا ، فإن مستشرقا آخر يرى غير ذلك ويدفع فرية « واط » ، يقول « ول ديورانت » « إن أحدا لم يعن بتعليم محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » القراءة والكتابة . . ولم يعرف عنه أنه كتب بنفسه . . . ولكن هذا لم يحل بينه وبين قدرته على تعرف شؤون الناس تعرفا قلّما يصل إليه أرقى الناس تعلما » « 2 » . وقد عقد « توماس كارليل » فصلا رائعا عن النبي « صلّى اللّه عليه وسلّم » ، تكلم فيه - فيما تكلم - عن أميته ، فقال : « إن محمدا لم يتلق دروسا على أستاذ أبدا . . . ويظهر لي أن الحقيقة هي أن محمدا « صلّى اللّه عليه وسلّم » لم يكن يعرف الخط والقراءة » « 3 » .
--> ( 1 ) - د . عماد الدين خليل : المستشرقون والسيرة ص 23 دار الثقافة . الدوحة 1410 ه - 1989 م . ( 2 ) - ديورانت : قصة الحضارة ج 13 ص 21 ، 22 ترجمة محمد بدران وآخرين لجنة التأليف والترجمة القاهرة ط 2 . ( 3 ) - توماس كارليل : الأبطال . ترجمة محمد السباعى ص 5 الدار القومية . القاهرة ( ب . ت ) .