عبد الرحمن بدوي

180

دفاع عن القرآن ضد منتقديه

ولكن إذا صح أن هذا الاتهام وجه من قبل المسيحيين العرب في حياة النبي محمد صلى اللّه عليه وسلّم فيمكن أن نتساءل بل يجب أن نتساءل لما ذا اختلفت آراء المسلمين حول هذا الاتهام وقد عددنا من آرائهم عند الطبري أربعة ( ت 309 ه ) ، وسنرى آخرين ، كيف يحدث هذا الاختلاف وقد أعطى النبي صلى اللّه عليه وسلّم الإجابة الوحيدة الصحيحة : ولم يكن أمام المسلمين إلا أن يذكروا تلك الإجابة إلى كل من يتجرأ ويسوق نفس الاعتراض . بالتأكيد كان من الطبيعي أن يسوق المسيحيون واليهود من باب أولى هذا الاعتراض فور سماعهم هذه الآية 28 من سورة مريم وآيتي آل عمران وقد نزلت كلها في العهد المدني ولكن لم يصلنا شئ عن اعتراض المسيحيين أو اليهود في المدينة ، لما ذا إذا يثير نصارى نجران زعمهم هذه المفارقة التاريخية ؟ والقرآن الكريم الذي كان متأهبا للرد على اعتراضات اليهود والنصارى لما ذا لم يذكر عن ذلك كلمة واحدة ولم يغير النص بآية ناسخة بدلا من الآية محل الطعن والخلاف ؟ كل هذه التساؤلات تؤكد في رأينا أن القصة والحديث المتعلق بها والذي رواه المغيرة بن شعبة غير صحيحة وأنها اختلفت لتؤكد لنصارى القرن الثاني والثالث الهجريين والذين أثاروا هذا الاتهام أنه اتهام فنده ودحضه النبي نفسه . « حلنا للمشكلة » : نرى أولا أن المشكلة لم تثر في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلّم بسبب بسيط وهو أن نصارى ومسيحي المدينة لم يروا في الآية « يا أخت هارون » أي مشكلة لأنهم مهتمون أنها تعنى « يا منحدرة من نسل هارون » كما كانوا معتادين هم وغيرهم من العرب على هذه التعبيرات مثل « يا أخا بنى فلان بمعنى يا من انحدر من سلالة فلان ولم تكن قد أتت إلى مخيلتهم تلك الفترة الزمنية والتي ذكرها كثير من المستشرقين « 1 » من أن محمدا لم يكن يعرف أن بين هارون ومريم أم

--> ( 1 ) من بين أحدث من قالوا بذلك نذكر موريس جودفروا ديمومبين في كتابه « محمد » ص 384 ، 1957 حيث حقق من غلواء زعمه حين تكلم بصفة الشرط فقال « قد يكون محمد قد ظن أن التوراة والإنجيل نزلا في نفس الفترة » .