محمد هادي معرفة

34

التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء

بقي من القرآن شيء ، ولكن القرآن يجري أوّله على آخره ما دامت السماوات والأرض ، ولكلّ قوم آية يتلونها ، هم منها من خير أو شرّ » « 1 » . وعليه ، فإنّ للقرآن ظهرا حسب التنزيل وبطنا حسب التأويل ، وإنّما عبّر عنه بالبطن ؛ لأنّ هذا المعنى العامّ قد استبطنته الآية واستخلصت من طيّها استخلاصا ، وذلك بإعفاء جوانب الآية الخاصّة ، وملابساتها التي كانت تجعل من الآية خاصّة بمورد نزولها ، لكنّها لم تكن ذات مدخليّة في هدف الآية العامّ ، فبهذا الإعفاء وذاك الاستخلاص يبدو وجه الآية العامّ ، وتصبح ذات رسالة خالدة وشاملة . وإلى هذا المعنى لعلّه يشير الحديث الوارد : « نزل القرآن بإيّاك أعني واسمعي يا جارة » « 2 » . أي أنّ الخطاب وإن كان بظاهره خاصّا ، لكنّه في واقع أمره عامّ يشمل الحاضرين والغائبين على حدّ سواء . خذ لذلك مثلا قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ « 3 » ، نزلت بشأن المشركين حيث تشكيكهم في موضع الرسول : هل يصحّ أن يكون بشرا ؟ ! فالآية بمفادها الظاهري - حسب تنزيلها - نزلت بشأن إزاحة علّة المشركين بالذات ، لكنّها بفحواها العامّ المطويّ تعمّ كلّ جاهل بأصول الديانة أو فروع أحكامها ، فعليه أن يراجع العلماء في ذلك ، وهذه هي رسالة الآية الخالدة ، ومن ثم فهي مستند عقلاني وحياني ، يحتجّ بها الأكابر في كافّة الأصقاع والأعصار على ضرورة رجوع العامّة إلى ذوي الاختصاص في كافّة العلوم والمعارف . وسنذكر كيفية هذا الاستخلاص وشروطه .

--> ( 1 ) . تفسير العيّاشي 1 : 21 حديث 7 . ( 2 ) . تفسير العيّاشي 1 : 10 حديث 4 رواية عن الإمام الصادق عليه السّلام . ( 3 ) . النحل 16 : 43 .