محمد هادي معرفة

18

التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء

وأيضا قول الشاعر : عجبت من نفسي ومن إشفاقها * ومن طراد الطير عن أرزاقها في سنة قد كشفت عن ساقها * حمراء تبري اللحم عن عراقها قال : ونحو ذلك قال أهل التأويل ، فعن سعيد بن جبير : يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ عن شدّة الأمر . وعن ابن عبّاس : هي أشدّ ساعة في يوم القيامة « 1 » . وبعد ، فلا إشكال في وجه الآية حسب سياقتها الذاتيّة وفق أساليب العرب الدارجة ، فليتدبّر . وكذا قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ « 2 » ، استند إليها أبو الحسن الأشعري لجواز رؤيته تعالى في الآخرة ، قال : « يعني : رائية » ، واستدلّ بأنّ « النظر إذا ذكر مع الوجه ، فمعناه : نظر العينين اللتين في الوجه ، ولا يصحّ أن يراد نظر : الانتظار والتوقّع ، كما زعمه أهل الاعتزال ، إذ نظر الانتظار لا يقرن بإلى . . » « 3 » . ولشناعة هذا الرأي ، حاول الأستاذ الشيخ محمّد عبده تأويله بإرادة كمال المعرفة بالذات « 4 » . ولكنّها محاولة من غير جدوى بعد صراحة كلام الأشعري في الرؤية بالبصر ، وعنون مقاله : بإثبات رؤية اللّه بالأبصار ، لا بالبصائر . والذي يبطل قوله هو أنّ ما استدلّ به لا يتوافق مع اللغة ، فهناك في الشعر العربي الجاهلي ما يناقض حجّته ، قال الشاعر : وجوه يوم بكر ناظرات * إلى الرحمان تنتظر الفلاحا « 5 » فجاء النظر مذكورا مع الوجه ومقرونا بإلى ، مرادا به الانتظار والتوقّع .

--> ( 1 ) . الكشف والبيان للثعلبي 10 : 18 - 19 . ( 2 ) . القيامة 75 : 22 - 23 . ( 3 ) . الإبانة عن أصول الديانة للأشعري : 25 - 26 باب : إثبات رؤيته تعالى بالأبصار في الآخرة . ( 4 ) . تفسير المنار 11 : 128 فما بعد . ( 5 ) . انظر : التمهيد 3 : 97 .