أحمد جمال العمري

9

دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى

وفي القصة تكون حكمة شرعيتها قائمة ، والغاية منها ثابتة ، ولنذكر من ذلك قصة قابيل وهابيل ولدى آدم « 1 » . ولقد امتاز القرآن الكريم ، بأنه حين يعرض لموضوعاته ، يعرض لها بطريقة لم يسبق إليها ، فلا يستطيع أن يسلكها سالك ، أو أن ينتهجها ناهج . فهو في عرضه يتخذ له أسلوبا يختص به ، أعجز الإنس والجن عن معارضته ، فتراه حين يعرض . يأتي بوجوه متعددة ، وأساليب متنوعة ، وأفانين متجددة ، يراعى المقام في كل موقف من مواقفه ، ويطابق جميع مقتضيات الحال في كل عبارة من عباراته ، فله في كل مقام مقال . وفي كل موضوع مجال ، طرق في الأداء لا عهد للبشر بها في أبلغ كلام ، ولا مثيل لها في أفصح بيان ، غاية في البلاغة ، ليس لها نهاية ، ونهاية في الفصاحة . لا يجاوز الفصحاء مبتداها . ثم هو فيما يعرضه من موضوعات شتى ، خاصة في القصص القرآني ، لا يهمل جانب النظر ، ولا يغضّ من شأنه ، بل يحث عليه ، ويدعو إليه ، ويتحاكم إلى العقول ، في كشف الحق ، وبيان الصدق ، يشفع حكمه ببيان حكمته ، وتوجيه شرعته ، ثم يدع للسامع الحرية ، وحسن الاختيار ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . وإن تعجب فعجب عرضه للموضوع الواحد ، ذي المعنى المتحد ، والهدف المشترك ، فإنك تجده مع تفرّقه في القرآن في أماكن عدة ، ومع تباعد أوقات نزوله ، وتباين أزمان وصوله ، ليس بين آياته مفارقة ، ولا تلفيق ، ولا تشويه ، ولا تناقض ، بل هي وحدة واحدة ، مترابطة متناسقة ، تكون لنا صورة واحدة ، في أحسن تقويم ، وتعطينا منظرا متآلفا في أبدع تنظيم ، وتصور لنا كائنا متناسق الأعضاء ، مترابط الأجزاء ، متكامل البناء ، جيد السبك ، قوى المعنى ،

--> ( 1 ) سورة المائدة من 27 إلى 31