الشيخ محمد علي طه الدرة
35
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
الدلائل الظاهرة ، كان اللوم بكم أولى بإجابتي ومتابعتي من غير حجة ولا برهان . ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ أي : بمغيثكم من العذاب ، ومنقذكم منه . وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ : بمغيثي ومنقذي ، والصارخ ، والمستصرخ : هو الذي يطلب النصرة والمعاونة ، والمصرخ : هو المغيث ، قال سلامة بن جندل : [ البسيط ] كنّا إذا ما أتانا صارخ فزع * كان الصّراخ له قرع الظّنابيب الظنابيب جمع ظنبوب ، وهو حرف الساق اليابس من قدم ، وقال أمية بن أبي الصلت : [ الطويل ] ولا تجزعوا إنّي لكم غير مصرخ * وليس لكم عندي غناء ولا نصر إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ أي : كفرت بجعلكم إياي شريكا للّه في عبادته ، وتبرأت من ذلك ، والمعنى : تنصل إبليس ممن تبعوه في الدنيا . إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ : يحتمل أن يكون من تتمة كلام الشيطان ، أو ابتداء كلام من اللّه تعالى ، وفي حكاية أمثال ذلك لطف للسامعين ، وإيقاظ لهم حتى يحاسبوا أنفسهم ، ويتدبروا عواقبهم . روى البغوي بسنده عن عقبة بن عامر - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث الشفاعة : « فيقول عيسى : هل أدلكم على النبيّ الأميّ ؟ فيأتوني ، فيأذن اللّه لي أن أقوم فيثور من مجلسي أطيب ريح شمّها أحد حتّى آتي ربّي ، فيشفّعني ، ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظهر قدمي ، ثمّ يقول الكفار : قد وجد المؤمنون من يشفع لهم ، فمن يشفع لنا ؟ فيقولون : ما هو غير إبليس الذي أضلّنا ، فيأتونه ، فيقولون : قد وجد المؤمنون من يشفع لهم ، فإنك أنت أضللتنا ، فيقوم ، فيثور من مجلسه أنتن ريح شمّها أحد ، ثمّ تعظم جهنّم ، ويقول عند ذلك : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ . . . إلخ » . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 38 ] من سورة ( مريم ) عليهاالسّلام ، فإنه جيد . تنبيه : بِمُصْرِخِيَّ : أصله بمصرخين لي ، فحذفت اللام الجارة ، ثم حذفت النون للإضافة على قاعدة جمع المذكر السالم ، ثم أدغمت ياء الجمع بياء المتكلم ؛ لأن الأولى ساكنة ، والثانية متحركة ، ثم حركت الياء الثانية بالفتحة طلبا للخفة ، وتخلصا من توالي ثلاث كسرات ، وقرئ بكسر الياء على أصل التخلص من التقاء الساكنين ، أو اتباعا لكسرة الخاء . وجاء في حديث بدء الوحي « أو مخرجيّ هم ؟ » . ولكن هنا أصله : أو مخرجون لي هم . فقلبت الواو ياء ، ثم حصل الإدغام بعد حذف اللام الجارة ، وحذف النون . تأمل . ولمكي كلام طويل في ذلك لا طائل تحته . تنبيه : لعلك تدرك معي أن بين الآية الكريمة والحديث الشريف تعارضا ، بل إن هذا التعارض موجود في الحديث ذاته ، فقول الشيطان المذكور إنما هو بعد إدخال أهل الجنة الجنة ، وإدخال أهل النار النار ، والفراغ من الحكم بين العباد ، والحديث الشريف نص في الشفاعة العظمى بدليل قول عيسى عليه الصلاة والسّلام : هل أدلكم على النبي ، وإني إزاء هذا التعارض