الشيخ محمد علي طه الدرة
29
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
وقال الفراء : المثل مقحم للتوكيد . كَرَمادٍ : هو ما يسقط من الحطب والفحم بعد إحراقه بالنار . اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ أي : فنسفته ، وطيرته ، ولم تبق منه شيئا . فِي يَوْمٍ عاصِفٍ : وصف اليوم بالعصوف ، والعصوف من صفة الريح ؛ لأن الريح تكون فيه ، كقولك : يوم بارد ، ويوم حار ، وليلة ماطرة ؛ لأن الحر والبرد والمطر توجد فيهما وهذا يسمى بالمجاز العقلي ، وقيل : معناه في يوم عاصف الريح ؛ لأنه قد تقدم ذكرها . لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ : المعنى : أنهم لا يجدون ثوابا في الآخرة للأعمال الصالحة التي عملوها في الدنيا ، وأملوا نفعا من ورائها . ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ أي : ذلك هو الخسران الكبير ؛ أي : لأن أعمالهم ضلت ، وهلكت ، فلا يرجى عودها ، وإنما جعله اللّه كبيرا بعيدا لعدم استدراكه بالموت وضياعه ، وانظر الآية رقم [ 3 ] هذا ومثل هذه الآية في بيان ضياع أعمال الكافر قوله تعالى في سورة ( النور ) رقم [ 39 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً . . . إلخ وقوله تعالى في سورة ( الفرقان ) رقم [ 23 ] : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً . تنبيه : في الآية الكريمة التشبيه التمثيلي بقوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ وهو ما انتزع من متعدد ، فالمشبه مركب من الذين كفروا ، وأعمالهم الصالحة التي يقومون بها في حياتهم ، والمشبه به مركب من الرماد ، واشتداد الريح ، واليوم العاصف ، وجه الشبه أن الريح العاصف تطير الرماد ، وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى له أثر ، فكذلك كفرهم أبطل أعمالهم وأحبطها بحيث لا تنفعهم فتيلا . تنبيه : في الآية الكريمة مثل ضربه اللّه تعالى لأعمال الكفار التي لم ينتفعوا بها ، ووجه المشابهة بين هذا المثل ، وبين هذه الأعمال هو أن الريح العاصف تطير الرماد ، وتفرق أجزاءه حيث لا يبقى منه شيء ، وكذلك أعمال الكفار تبطل وتذهب بسبب كفرهم حتى لا يبقى منها شيء . وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في سورة ( التوبة ) رقم [ 55 ] وانظر الآية رقم [ 15 ] من سورة ( هود ) عليه السّلام تجد فيهما الدواء الشافي لقلبك ، والغذاء الكافي لروحك . الإعراب : مَثَلُ : مبتدأ ، اختلف في خبره ، فقال سيبويه : محذوف ، التقدير : فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا ، وقال الخليل : خبره جملة : أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ أي : صفة الذين كفروا بربهم أعمالهم . . . إلخ كقولك : قولي : يقوم زيد . وانظر الشرح . وقال الفراء : المثل مقحم للتأكيد ، والمعنى : الذين كفروا بربهم أعمالهم . . . إلخ . والعرب تفعل ذلك كثيرا بالمثل ، وانظر الآية رقم [ 35 ] من سورة ( الرعد ) ، و مَثَلُ مضاف ، و الَّذِينَ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة ، وجملة : كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ صلة الموصول ، لا محل لها ، أَعْمالُهُمْ : مبتدأ ، والهاء في محل جر بالإضافة ، من إضافة المصدر لفاعله . كَرَمادٍ : متعلقان بمحذوف