الشيخ محمد علي طه الدرة

27

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

يقول اللّه : وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ ويقول : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ » خرجه الترمذي ، وقال : حديث غريب . انتهى . قرطبي . وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ : ولا يقارب أن يبتلعه ، فكيف تكون الإساغة ، فهو كقوله تعالى : لَمْ يَكَدْ يَراها أي : لم يقرب من رؤيتها ، فكيف يراها ؟ ! وساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغا إذا كان سلسا سهلا ، وقيل : يَكادُ صلة ؛ أي : يسيغه بعد إبطاء . وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي : يأتيه أسباب الموت من كل جهة ، عن يمينه وشماله ، ومن فوقه ، وتحته ، ومن قدامه ، وخلفه . وقيل : إنه لا يبقى عضو من أعضائه إلا وكل به نوع من العذاب ، لو مات سبعين مرة لكان أهون عليه من نوع منها في فرد لحظة : إما حية تنهشه ، أو عقرب تلدغه ، أو نار تسفعه ، أو قيد برجليه ، أو غل في عنقه ، أو سلسلة يقرن بها ، أو تابوت يكون فيه ، أو زقوم ، أو حميم ، أو غير ذلك من أنواع العذاب . وَما هُوَ بِمَيِّتٍ أي : لا يموت ، فيستريح ، وقال ابن جريح : تعلق روحه في حنجرته ، فلا تخرج من فيه فيموت ، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه ، فتنفعه الحياة ، ونظيره قوله تعالى : ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى وقال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها وقال الشاعر : [ الطويل ] ألا من لنفس لا تموت فينقضي * شقاها ، ولا تحيا حياة لها طعم عَذابٌ غَلِيظٌ أي : شديد متواصل الآلام من غير فتور . بعد هذا ؛ فالموت : انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن ، وبطلان حركته ، وموت القلب : قسوته ، فلا يتأثر بالمواعظ ، ولا ينتفع بالنصائح ، أما الميت والميتة بفتح الميم وسكون الياء فيهما ، فهو من فارقت روحه جسده ، وجمعه : أموات ، وأما المشدد فهو الحي الذي سيموت ، وعليه قوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ، وجمعه موتى ، قال الإمام علي - كرم اللّه وجهه - : [ البسيط ] ففز بعلم ، ولا تجهل به أبدا * فالنّاس موتى ، وأهل العلم أحياء هذا وقد قال بعض الأدباء في الفرق بين المشدد والمخفف : [ الطويل ] أيا سائلي تفسير ميت وميّت * فدونك قد فسّرت ما عنه تسأل فمن كان ذا روح ، فذلك ميّت * وما الميت إلّا من إلى القبر يحمل هذا هو الأصل الغالب في الاستعمال ، وقد يتعاوضان كما في قول ابن الرعلاء الغساني : [ الخفيف ] ليس من مات فاستراح بميت * إنّما الميت ميّت الأحياء إنما الميت من يعيش كئيبا * كاسفا باله قليل الرّجاء