الشيخ محمد علي طه الدرة
81
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
والمخادعة في الآية رقم [ 9 ] البقرة والآية رقم [ 142 ] النساء ، فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ أي : كافيك بنصره ومعونته . وانظر الآية رقم [ 60 ] من سورة ( التوبة ) ، وخذ قول جرير في هجاء : [ الكامل ] إنّي وجدت من المكارم حسبكم * أن تلبسوا خزّ الثّياب وتشبعوا هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ : شد أزرك ، وقواك بنصره يوم بدر وفي سائر أيامك بالمؤمنين من الأنصار ، قال النعمان بن بشير رضي اللّه عنه : نزلت في مدح الأنصار . وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ أي : جمع بين قلوب الأوس والخزرج بعد أن كانوا أعداء ، وحرب بعاث دامت بينهم أربعين سنة ، وكان تآلف القلوب مع العصبية الشديدة في العرب من معجزات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأن أحدهم ، كان يلطم اللطمة ، فيقاتل عنها حتى يستقيدها ، وأكبر دليل على ذلك حرب بعاث بين الأوس والخزرج ، وحرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان ، وحرب البسوس بين بني بكر وبني تغلب ، وكانوا أشد خلق اللّه حمية ، فألف اللّه بينهم بالإيمان ، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين ، وآية المجادلة الأخيرة أكبر دليل على ذلك . لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ . . . إلخ : هذا بيان من اللّه عز وجل : أنه هو الذي ألف بين قلوب العرب ، وأن القلوب بيده يصرفها كيف يشاء ويريد ، ولو أن منفقا أنفق جميع الأموال الموجودة في الأرض بسبيل تأليف قلوب العرب ؛ لما أمكنه ذلك ، إلا أن يشاء اللّه ويريد ذلك بقدرته وحكمته البالغة . إنه عزيز حكيم ، انظر الآية رقم [ 10 ] و [ 50 ] . هذا ؛ وبين ظرف مكان بمعنى وسط بسكون السين ، تقول : جلس بين القوم ، كما تقول : جلس وسط القوم ، هذا ؛ والبين : الفراق والبعاد ، وهو أيضا الوصل ، فهو من الأضداد ، كالجون يطلق على الأسود والأبيض ، ومن استعماله بمعنى الفراق والبعاد ، قول كعب بن زهير رضي اللّه عنه في قصيدة البردة : [ البسيط ] وما سعاد غداة البين إذ رحلوا * إلّا أغنّ غضيض الطّرف مكحول الإعراب : وَإِنْ يُرِيدُوا : هو مثل : وَإِنْ جَنَحُوا في الآية السابقة ، و أَنْ يَخْدَعُوكَ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به لفعل الإرادة ، وقد صرح به لأنه شيء مستغرب ، انظر الآية رقم [ 89 ] ( الأعراف ) . فَإِنَّ : الفاء : واقعة في جواب الشرط . ( إن ) : حرف مشبه بالفعل . حَسْبَكَ : اسم إن ، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله . اللَّهَ : خبر ( إن ) ، وهو في المعنى فاعل بالمصدر ، والجملة الاسمية : فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ في محل جزم جواب الشرط في الظاهر ، وعند التأمل يتبين لك : أن جواب الشرط محذوف ، تقديره : فصالحهم ، ولا تخف من كيدهم ؛ وعليه فجملة : فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ تعليل لهذا المحذوف ، وانظر الشرح . هُوَ الَّذِي : مبتدأ وخبر . أَيَّدَكَ : ماض والفاعل يعود إلى الذي تقديره : « هو » ، وهو العائد ، والكاف مفعول به ، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها . بِنَصْرِهِ : متعلقان بالفعل قبلهما ، والهاء في محل جر بالإضافة ، من إضافة المصدر لفاعله ،