الشيخ محمد علي طه الدرة

62

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

( النساء ) . وَلا تَنازَعُوا أي : لا تختلفوا . فَتَفْشَلُوا : فتضعفوا وتجبنوا عند لقاء العدو . وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ : تذهب قوتكم ، فقد استعار الريح للقوة ، من حيث إنها في تمشي أمرها ، ونفاذه مشبهة بها في هبوبها ونفوذها ، كما تقول : الريح لفلان ؛ إذا كان غالبا في الأمر . قال الشاعر : [ الوافر ] إذا هبّت رياحك فاغتنمها * فإنّ لكلّ خافقة سكون ولا تغفل عن الإحسان فيها * فما تدري السكون متى يكون هذا ؛ والريح في الأصل : الهواء المسخر بين السماء والأرض ، وأصله الروح ، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، والجمع : أرواح ورياح ، وأصل رياح رواح ، فعل فيه كما فعل بأصل ريح ، والأكثر في الريح التأنيث كما في الآية الكريمة ، وقد تذكر على معنى الهواء ، والرياح الأصول أربع : إحداها : الشمال ، وتأتي من ناحية الشمال ، وهي شمال من استقبل مطلع الشمس ، وهذه الريح حارة في الصيف ، باردة في الشتاء ، والثانية : الجنوب ، وهي مقابلتها ، أي : تأتي من جهة يمين من استقبل مطلع الشمس ، وهي الريح اليمانية ، والثالثة : الصبا بفتح الصاد ، وتأتي من مطلع الشمس ، وتسمى القبول أيضا ، والرابعة الدبور ، وتأتي من جهة الغرب ، وما أتى منها من بين تلك الجهات يقال لها : النكباء ؛ ثم إن خرجت من بين الجنوب والشرق ، قيل لها : أزيب بفتح الهمزة وسكون الزاي وفتح الياء ، وإن خرجت من بين الشمال والغرب ، قيل لها : جربيا بكسر الجيم ، وسكون الراء وكسر الباء ، وإن خرجت من بين الشمال والشرق ، قيل لها : صابية ، وإن خرجت من بين الجنوب والغرب ، قيل لها : هيف ، بفتح الهاء وسكون الياء ، وقد جمع الثمانية النواجي في قوله : [ الطويل ] صبا ودبور ، والجنوب وشمال * بشرق وغرب والتّيمّن والضّدّ ومن بينها النّكباء أزيب جربيا * وصابية والهيف خاتمة العدّ هذا ؛ وأضيف أن ريح الصبا نصر اللّه بها نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة الخندق ، حيث فعلت بقريش العجائب ، فارتدوا على أعقابهم خاسئين ، وأن ريح الدبور ، أهلك اللّه بها قوم عاد ، ونبيهم هود عليه الصلاة والسّلام ، كما رأيت في الآية رقم [ 65 ] من سورة ( الأعراف ) وما بعدها . قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « نصرت بالصّبا ، وأهلكت عاد بالدّبور » . وَاصْبِرُوا أي : على مقاساة الحرب وشدائدها . إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ : بالمعونة والنصر ، والتأييد والظفر ، وانظر ( الصبر ) في الآية رقم [ 127 ] من سورة ( الأعراف ) ، هذا ؛ ومعية اللّه على نوعين : عامة وخاصة ، فالأولى : لكل الناس ، وهي معية بالعلم والقدرة ، والثانية : للمؤمنين المتقين والمحسنين ، وهي بالحفظ والنصر ، والمعونة والظفر . . . إلخ ، قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ، وقال هنا : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ .