الشيخ محمد علي طه الدرة

54

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

ليس اليتيم الذي قد مات والده * إنّ اليتيم يتيم العقل والأدب ومنه من أهمل أبوه وأمه تربيته مع كونهما موجودين ، وخذ قول الآخر : [ الكامل ] ليس اليتيم من انتهى أبواه من * همّ الحياة ، وخلّفاه ذليلا إنّ اليتيم هو الذي تلقى له * أمّا تخلّت ، أو أبا مشغولا وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ : سأتكلم عن هذين في الآية رقم [ 61 ] من سورة ( التوبة ) إن شاء اللّه تعالى . كُنْتُمْ : انظر إعلال قُلْنا في الآية رقم [ 11 ] من سورة ( الأعراف ) ، وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ : الذي أنزله اللّه وتكرم به على نبيه وعلى المؤمنين يوم بدر من الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة من نزول الملائكة والنصر المبين الذي رفع اللّه به شأن الإسلام والمسلمين ، وسمي يوم بدر يوم الفرقان لأنه فرق فيه بين الحق والباطل ، و الْجَمْعانِ جمع المسلمين وجمع المشركين ، هذا ، وانظر ( نا ) في الآية رقم [ 7 ] ( الأعراف ) و يَوْمَ في الآية رقم [ 128 ] ( الأنعام ) . هذا ؛ وذكر الرسول بلفظ عَبْدِنا للتشريف والتعظيم ، فإن اللّه أضافه لنفسه ، ولم يجعل لغيره فيه حظا ونصيبا ، وانظر الآية رقم [ 23 ] ( البقرة ) . وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي : مقتدر لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، ومن ذلك نصره العدد القليل على الكثير يوم بدر ، هذا ؛ والغنيمة في اللغة ما يناله الإنسان بسعيه ، والمغنم والغنيمة بمعنى ، والمراد به في الآية الكريمة : ما أخذه المسلمون من الكفار على وجه الغلبة والقهر ، هذا ؛ والفيء : ما وصل ليد المسلمين من غير حرب ، ولا إيجاف خيل ، ولا ركاب ، كالجزية ، وما يصالح عليه الكفار المسلمين ، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 69 ] الآتية . تنبيه : رأيت في أول السورة كيف اختلف المسلمون في غنائم بدر ، وكيف وكل اللّه أمر تقسيمها لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم نزلت هذه الآية لتبين حكم ما يغنمه المسلمون من الكفار ، إلى يوم القيامة حيث تقسم خمسة أخماس ، فأربعة تعطى للمحاربين الغانمين الذين شهدوا الوقعة ، وحازوا الغنيمة ، فيعطى للفارس ثلاثة أسهم ، سهم له ، وسهمان لفرسه ويعطى الراجل سهما واحدا ، وقيل : غير ذلك ، وأما الخمس الآخر فيقسم خمسة أخماس ، وظاهر النص أنه يقسم ستة أسداس ، ولكن اللّه لم يرد شيئا من المال ؛ لأن الدنيا والآخرة كلها له تعالى ، وإنما ذكر اسمه على سبيل التبرك ، وهذا قول الحسن ، وقتادة ، وعطاء ، وإبراهيم النخعي ، فقد قالوا : سهم اللّه وسهم رسوله واحد ، وقيل : سهم اللّه يصرف إلى جميع هؤلاء الأصناف المذكورين بالسوية ، وحكمه باق ، غير أن سهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين ، كما فعله أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، وقيل : إلى الإمام ، وقيل : إلى الأصناف الأربعة ، وقال أبو حنيفة - رحمه اللّه تعالى - : سقط سهمه وسهم ذوي القربى بوفاته ، وصار الكل مصروفا إلى