الشيخ محمد علي طه الدرة
47
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 35 ] وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 35 ) الشرح : وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ : لم يؤنث الفعل ؛ لأن الصلاة ليست مؤنثا حقيقيا ، فيجوز تذكير الفعل وتأنيثه . مُكاءً : صفيرا ، يقال : مكا الطير ، يمكو : إذا صفر ، والمكاء : اسم طير أبيض يكون بالحجاز له صفر . وَتَصْدِيَةً : تصفيقا ، وفي أصله واشتقاقه قولان : أحدهما : أنه من الصدى ، وهو الصوت الذي يرجع من الجبل ونحوه ، كالمجيب للمتكلم ، ولا يرجع إلى شيء ، الثاني : قال أبو عبيدة : أصله تصددة ، فأبدلت الياء من الدال الثانية ، وفي فعلهم هذا قولان : الأول : أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم يصفرون ، ويصفقون فيها ، والثاني : أنهم كانوا يفعلون ذلك إذا أراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يصلي ، يخلطون عليه ، يريدون إيذاءه ، وهذا مناسب لقولهم : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ وسماها اللّه صلاة ؛ لأنهم كانوا يعتقدون ذلك المكاء والتصدية صلاة ، فخرج ذلك على حسب معتقدهم ، وزعمهم . فَذُوقُوا الْعَذابَ : فيه استعارة . انظر الآية رقم [ 14 ] . تَكْفُرُونَ : انظر الآية رقم [ 66 ] ( الأعراف ) . وهذا ؛ وإعلال : كُنْتُمْ مثل إعلال قُلْنا في الآية رقم [ 11 ] من سورة ( الأعراف ) . قال القرطبي رحمه اللّه تعالى : ففيه رد على الجهال من الصوفية الذين يرقصون ويصفقون ، وذلك كله منكر تنزه عن مثله العقلاء ، ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت . وانظر ما نقلته عنه في الآية رقم [ 2 ] . الإعراب : وَما : الواو : حرف تعليل . ( ما ) : نافية . كانَ : ماض ناقص . صَلاتُهُمْ : اسم كانَ ، والهاء في محل جر بالإضافة . عِنْدَ : ظرف مكان متعلق بصلاتهم ، أو بمحذوف حال من صَلاتُهُمْ ، و عِنْدَ : مضاف ، و الْبَيْتِ : مضاف إليه . إِلَّا : حرف حصر . مُكاءً : خبر كانَ . وَتَصْدِيَةً : معطوف على ما قبله ، وهذا ؛ وقرئ بنصب صَلاتُهُمْ على أنه خبر مقدم ، ورفع مُكاءً على أنه اسم كانَ مؤخر ، وجملة : وَما كانَ . . . إلخ كالتعليل لقوله وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ . فَذُوقُوا : الفاء : هي الفصيحة ، انظر الآية رقم [ 1 ] . ( ذوقوا ) : فعل أمر مبني على حذف النون ، والواو فاعله ، والألف للتفريق ، وانظر إعراب : اسْجُدُوا في الآية [ 11 ] الأعراف . والجملة الفعلية لا محل لها ؛ لأنها جواب شرط غير جازم ، التقدير : وإذا كانت صلاتهم كذلك ، فيقال لهم يوم القيامة : ذوقوا . فتبين بهذا التقدير : أن الجملة مقولة لجواب الشرط المقدر . الْعَذابَ : مفعول به . بِما : الباء : حرف جر . ما : مصدرية . كُنْتُمْ : ماض ناقص مبني على السكون ، والتاء