الشيخ محمد علي طه الدرة

429

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

[ سورة هود ( 11 ) : آية 34 ] وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 34 ) الشرح : وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ أي : ولا ينفعكم إنذاري ، وتخويفي إياكم عقوبته ، ونزول العذاب بكم ؛ لأنكم لا تقبلون نصحا . إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ أي : أن يضلكم . قال القرطبي - رحمه اللّه تعالى - وهذا مما يدل على بطلان مذهب المعتزلة والقدرية ومن وافقهما ؛ إذ زعموا أن اللّه تعالى لا يريد أن يعصي العاصي ، ولا يكفر الكافر ، ولا يغوي الغاوي ، وأنه يفعل ذلك ، واللّه لا يريد ذلك ، وأضاف نوح عليه السّلام إغواءهم إلى اللّه سبحانه وتعالى ؛ إذ هو المضل الهادي ، سبحانه وتعالى عما يقول الجاحدون ، والظالمون علوا كبيرا . انتهى . بتصرف كبير . هذا ؛ وقد تقدم في الآية رقم [ 88 ] من سورة ( النساء ) وغيرها أن ذلك مبني على علم اللّه الأزلي : أنهم لو تركوا وشأنهم ؛ لما اختاروا غير الكفر ، ولذا قدره اللّه عليهم ، وأراده لهم ، وانظر الآية رقم [ 29 ] من سورة ( الرعد ) ، وانظر الآية رقم [ 17 ] من سورة ( الفرقان ) ؛ تجد ما يسرك . . هُوَ رَبُّكُمْ : خالقكم ، والمتصرف فيكم وفق إرادته ومشيئته . وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ : فيجازيكم على أعمالكم يوم القيامة ، ففيه تهديد ، ووعيد ، وانظر ( رجع ) في الآية رقم [ 83 ] من سورة ( التوبة ) ، و أَنْصَحَ مثل ( أشكر ) في الآية رقم [ 60 ] من سورة ( يونس ) . تنبيه : في الآية الكريمة شرطان ، وجواب واحد ، وفي ذلك قولان : أحدهما : أن جواب الأول سبقه ما هو جواب في المعنى ، فإن التقدير : إن أردت أن أنصح لكم ؛ فلا ينفعكم نصحي ، والثاني : أن الشرط الثاني وجوابه جواب للأول ، وخذ ما قاله أبو البقاء رحمه اللّه تعالى : حكم الشرط إذا دخل على الشرط أن يكون الشرط الثاني ، والجواب جوابا للشرط الأول ، كقولك : إن أتيتني ، إن كلمتني أكرمتك ، فقولك : إن كلمتني أكرمتك جواب : إن أتيتني ، وإذا كان كذلك صار الشرط الأول في الذكر مؤخرا في المعنى ، حتى لو أتاه ، ثم كلمه ؛ لم يجب الإكرام ، ولكن إن كلمه ، ثم أتاه ؛ وجب إكرامه ، وعلة ذلك : أن الجواب صار معوقا بالشرط الثاني ، وقد جاء في القرآن منه قوله تعالى : إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها . . . إلخ الآية رقم [ 50 ] من سورة ( الأحزاب ) . انتهى . هذا ؛ ومثل الآية الكريمة قول الشاعر ، وهو الشاهد [ 1041 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » : [ البسيط ] إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا * منّا معاقل عزّ زانها كرم وأضيف ما قاله سليمان الجمل - رحمه اللّه تعالى - وإن زاد على شرطين ( أي : حكمه حكم الشرطين ) وعلى هذا يترتب الحكم ، مثاله : أن يقول لعبده : إن كلمت زيدا ، إن دخلت الدار ، إن أكلت الخبز ، فأنت حرّ ، فجواب الشرط الثالث أنت حر ، والثالث وجوابه جواب للثاني ،