الشيخ محمد علي طه الدرة
358
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
[ سورة يونس ( 10 ) : آية 83 ] فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ( 83 ) الشرح : فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ : لقد اختلف في مرجع الضمير ، فقيل : إنه يرجع إلى موسى ، وأراد بهم قوم موسى ، هلك الآباء وبقي الأبناء الذين نجوا من قتل فرعون فآمنوا بموسى ، وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : الضمير يعود إلى فرعون ، يعني من قوم فرعون ، منهم مؤمن آل فرعون الذي ذكر بإسهاب في سورة ( غافر ) ، وخازن فرعون ، وامرأته آسية ، وماشطة ابنته ، وامرأة خازنه ، وقيل : هم أقوام آباؤهم من القبط ، وأمهاتهم من بني إسرائيل فسموا ذرية ، كما يسمى أولاد الفرس الذين توالدوا في بلاد اليمن وبلاد العرب : الأبناء ؛ لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم ، قاله الفراء ، وعلى هذا فالضمير في قومه يعود إلى موسى للقرابة من جهة الأمهات ، وإلى فرعون ، إذا كانوا من القبط . هذا ؛ والذرية : نسل الإنسان وقد تكثر ، وانظر الآية رقم [ 172 ] ( الأعراف ) . عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ أي : مع خوف من فرعون ؛ لأنه كان مسلطا عليهم عاتيا . وَمَلَائِهِمْ : واختلف في مرجع الضمير أيضا ، فقيل : هو عائد على الذرية ، ولم يؤنث ؛ لأن الذرية قوم ، فهو مذكر في المعنى ، وقيل : هو عائد على القوم ، وقيل : هو عائد على فرعون ، وإنما جمع لوجهين : أحدهما : أن فرعون لما كان عظيما عندهم عاد عليه الضمير بلفظ الجمع ، كما يقول العظيم : نحن نأمر ، والثاني : أن فرعون صار اسما لأتباعه ، كما أن ثمود وعادا اسمان للقبيلتين وقيل : الضمير يعود على محذوف ، تقديره : من آل فرعون وملئهم ، أي : ملأ الآل ، وهذا عندنا غلط ؛ لأن المحذوف لا يعود إليه ضمير ، انتهى . عكبري بتصرف . أَنْ يَفْتِنَهُمْ أي : يصرفهم عن دينهم بالتعذيب والانتقام ، فوحد الفاعل ؛ لأن قوم فرعون وملأه كانوا على مراده وتابعين له . وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ أي : لعات متجبر متكبر في أرض مصر . وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ أي : المتجاوزين الحد ؛ لأنه عبد فادعى الربوبية ، وأكثر القتل والتعذيب في بني إسرائيل . قال الخازن : لما ذكر اللّه عز وجل ما أتى به موسى عليه السّلام من المعجزات العظيمة الباهرة ؛ أخبر اللّه سبحانه وتعالى أنه مع مشاهدة هذه المعجزات ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ، وإنما ذكر اللّه عز وجل هذا تسلية لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنه كان كثير الاهتمام بإيمان قومه ، وكان يغتم بسبب إعراضهم عن الإيمان به ، واستمرارهم على الكفر والتكذيب . الإعراب : فَما : الفاء : حرف استئناف . ( ما ) : نافية . آمَنَ : ماض . لِمُوسى : متعلقان بما قبلهما . إِلَّا : حرف حصر . ذُرِّيَّةٌ : فاعل . مِنْ قَوْمِهِ : متعلقان بمحذوف