الشيخ محمد علي طه الدرة

323

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

[ سورة يونس ( 10 ) : آية 44 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 44 ) الشرح : قال العلماء في شرح هذه الآية : لما حكم اللّه على أهل الشقوة بالشقاوة لقضائه وقدره السابق فيهم ؛ أخبر في هذه الآية : أن تقدير الشقاوة عليهم ما كان ظلما منه ، تعالت حكمته ؛ لأنه يتصرف في ملكه كيف يشاء ، والخلق كلهم عبيده ، وكل من تصرف في ملكه لا يكون ظالما ، وإنما قال : وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ؛ لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب ، وإن كان قد سبق قضاء اللّه وقدره فيهم . انتهى خازن . وفي الآية دليل على أن للعبد كسبا ، وأنه ليس بمسلوب الاختيار بالكلية كما زعمت المجبرة ، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 33 ] . الإعراب : إِنَّ : حرف مشبه بالفعل . اللَّهَ : اسمها . لا : نافية . يَظْلِمُ : مضارع ، والفاعل يعود إلى اللَّهَ . النَّاسَ : مفعول به . شَيْئاً : نائب مفعول مطلق ، وجوز اعتباره مفعولا ثانيا على تضمين لا يَظْلِمُ : معنى لا ينتقص : وجملة : لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً : في محل رفع خبر إِنَّ ، والجملة الاسمية : إِنَّ اللَّهَ . . . إلخ : ابتدائية أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين ، وَلكِنَّ : ( لكنّ ) : حرف مشبه بالفعل . النَّاسَ : اسمها . أَنْفُسَهُمْ : مفعول به مقدم . يَظْلِمُونَ : مضارع وفاعله ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ( لكن ) ، وعلى تخفيفها ف النَّاسَ مبتدأ ، والجملة الفعلية خبره ، وعلى الوجهين فالجملة اسمية ، وهي معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 45 ] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 45 ) الشرح : وَيَوْمَ نحشرهم : انظر الآية رقم [ 28 ] والفعل يقرأ بالياء والنون ، وانظر ( نا ) في الآية رقم [ 8 ] من سورة ( هود ) . كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ : يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا ، أو في القبور لهول ما يرون ، والمراد بهم الكفار ، وأما المؤمنون فلم يستقلوا لبثهم في الدنيا ؛ لأنهم انتفعوا فيها بالعمل الصالح ، وهم في مأمن من الهول والفزع . يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ أي : يعرف بعضهم بعضا كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلا ، وهذا أول ما ينشرون ، ثم ينقطع التعارف ، وهذا التعارف توبيخ وافتضاح ، يقول بعضهم لبعض : أنت أضللتني ، وحملتني على الكفر ، وليس تعارف مودة وعطف وشفقة ، وأثبت القرطبي هذا التعارف بين الكافرين ، واستدل بقوله تعالى : كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها وغير ذلك قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ أي : خسروا جنة عرضها السماوات والأرض بسبب تكذيبهم بالبعث والحشر والنشور ، ثم قيل : يجوز أن يكون هذا إخبارا من اللّه عز وجل بعد أن دل على البعث والنشور ، وقيل : خسروا في حال لقاء اللّه ؛ لأن الخسران