الشيخ محمد علي طه الدرة

251

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

أمرهم ، وهم المرجون لأمر اللّه ، وقيل : المعنى تركوا أو أخروا عن المنافقين ، فلم يحكم فيهم بشيء . حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ أي : بما اتسعت ؛ لأنهم كانوا مهجورين ، لا يعاملون ، ولا يكلمون ، وفي هذا دليل على هجران أهل المعاصي حتى يتوبوا . وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ أي : ضاقت صدورهم بالهم والوحشة ، وبما لقوه من الصحابة من الجفوة . وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ أي : تيقنوا أن لا ملجأ يلجؤون إليه في الصفح عنهم ، وقبول التوبة منهم إلا إلى اللّه ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا . . . إلخ فبدأ بالتوبة منه ، أي : قبولها ، ترغيبا لهم ولأهل المعاصي في الرجوع إليه ، وانظر الآية رقم [ 104 ] لشرح التَّوَّابُ ، وفيه دليل على أن قبول التوبة بمحض الرحمة والفضل والإحسان ، وأنه لا يجب عليه سبحانه شيء . قال أبو زيد رحمه اللّه تعالى : غلطت في أربعة أشياء ، في الابتداء مع اللّه تعالى ، ظننت أني أحبه ، فإذا هو أحبني ، قال تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وظننت أني أرضى عنه ، فإذا هو رضي عني ، قال تعالى : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ * وظننت أني أذكره ، فإذا هو يذكرني ، قال تعالى : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ . وظننت أني أتوب ، فإذا هو قد تاب علي ، قال تعالى : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا . . . . بعد هذا فإني أذكر لك ما حدّث به كعب بن مالك رضي اللّه عنه عن نفسه ، وعن صاحبيه ، وقد روى حديثه البخاري ، ومسلم ، وغيرهما . قال : - رضي اللّه عنه - وهذا الحديث رواه عنه ابنه عبد اللّه - رضي اللّه عنهم أجمعين - : لم أتخلف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة غزاها قط ، إلا في غزوة تبوك ، غير أني تخلفت في غزوة بدر ، ولم يعاتب أحدا تخلف عنه ، إنما خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع اللّه بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ، ولقد شهدت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر ، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها ، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة تبوك : أني لم أكن قط أقوى ، ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة . واللّه ، ما جمعت قبلها راحلتين قط ، حتى جمعتهما في تلك الغزوة ، ولم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها ، حتى كانت تلك الغزوة ، فغزاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حر شديد ، واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز ، واستقبل عدوا كثيرا ، فجلى للمسلمين أمرهم ، ليتأهبوا أهبة غزوهم ، وأخبرهم بوجههم الذي يريد ، والمسلمون مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كثير ، لا يجمعهم كتاب حافظ ، - يريد بذلك الديوان - قال كعب . فقلّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى ما لم ينزل فيه وحي من اللّه عز وجل ، وغزا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تلك الغزوة حين طابت الثمار ، والظلال ، فأنا إليها أصعر - أميل - ليجهز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمون معه ، وطفقت أغدو لكي