الشيخ محمد علي طه الدرة
227
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 104 ] أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 104 ) الشرح : أَ لَمْ يَعْلَمُوا . . . إلخ أي : الذين تابوا وقبلت توبتهم ، فيكون الاستفهام للتقرير والتبشير ، أو الذين لم يتوبوا من المتخلفين عن غزوة تبوك ، فيكون الاستفهام للتخصيص والترغيب في التوبة ، وذلك أنه لما نزلت توبة التائبين قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين ، هؤلاء كانوا بالأمس مثلنا ، لا يكلمون ، ولا يجالسون ، فما بالهم اليوم ، فأنزل اللّه الآية الكريمة ترغيبا لهم في التوبة ، عَنْ عِبادِهِ : هو مثل ( من عباده ) لأن معنى ( عن ) و ( من ) متقاربان ، هذا ؛ و عِبادِهِ جمع عبد ، هو الإنسان من بني آدم ، حرا كان أو رقيقا ، ويقال : للمملوك ، قن ، وله جموع كثيرة ، وأشهرها عبيد وعباد ، والإضافة في الآية ونحوها إضافة تشريف ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ : يتقبلها ، ويثيب عليها ، وإنما ذكر لفظ الأخذ ، ترغيبا في بذل الصدقة ، وإعطائها للفقراء ، ولما كان سبحانه هو المثيب عليها أسند الأخذ إلى نفسه ، وإن كان الفقير هو الآخذ لها ، وفي ذلك أذكر أحاديث شريفة لتزداد إيمانا فوق إيمانك بهذا . فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما تصدّق أحدكم بصدقة من كسب حلال طيّب - ولا يقبل اللّه إلا الطيّب - إلّا أخذها الرّحمن بيمينه ، وإن كانت تمرة ، فتربو في كفّ الرحمن ، حتّى تكون أعظم من الجبل ، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله » . متفق عليه ، وروى الترمذي ، عن أبي هريرة أيضا ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه يقبل الصّدقة ، ويأخذها بيمينه ، فيربيها لأحدكم ، كما يربي أحدكم مهره ؛ حتى إنّ اللقمة لتصير مثل أحد » . وتصديق ذلك في كتاب اللّه : هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ و يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وروي : « إنّ الصّدقة لتقع في كفّ الرّحمن ، قبل أن تقع في كفّ السائل ، فيربيها كما يربي أحدكم فلوّه ، أو فصيله ، واللّه يضاعف لمن يشاء » . قال العلماء رحمهم اللّه تعالى في تأويل هذه الأحاديث : إن هذا كناية عن القبول والجزاء عليها ، كما كنى سبحانه بنفسه الكريمة المقدسة ، عن المريض تعطفا عليه بقوله في الحديث القدسي : « يا بن آدم مرضت فلم تعدني . . . إلخ » . الحديث ، وخص اليمين والكف بالذكر ؛ لأن كل قابل لشيء إنما يأخذه بكفه وبيمينه ، أو يوضع له فيه ، فخرج على ما يوفونه ، واللّه عز وجل منزه عن الجارحة . التَّوَّابُ : كثير قبول التوبة من عباده ، أو الرجاع على عباده بالرحمة ، وتوبة العبد رجوعه عن المعصية إلى الطاعة ، وقرع باب ربه بالتوبة والإنابة ، الرَّحِيمُ : انظر ( البسملة ) في أول سورة ( يوسف ) عليه السّلام . الإعراب : أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ : انظر إعراب هذه الجملة مع سبك المصدر في الآية رقم [ 78 ] . هُوَ : ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ ، وجملة : يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ