الشيخ محمد علي طه الدرة

225

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

فقال : « ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا » ، فأنزل اللّه : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ . . . إلخ الآية التالية ، وانظر قصة أبي لبابة في الآية رقم [ 27 ] من سورة ( الأنفال ) . اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ : أقروا بذنبهم ، وفيه لطيفة ، وهي أنهم لم يعتذروا عن تخلفهم بأعذار باطلة كغيرهم ، من المنافقين ، وهل يكون مجرد الاعتراف بالذنب توبة ؟ كلا ، لا يكون ؛ لأن التوبة النصوح المقبولة ، يجب أن تتوافر فيها ثلاثة أمور ، إن كانت من حق اللّه تعالى : الاستغفار باللسان ، والندم بالجنان ، والإقلاع بالأركان ، وإن كانت من حق العباد يجب رد الحقوق لأصحابها بحسب الإمكان ، فإذا لم يرد المظالم لأهلها ، لا تقبل توبته ، وإن تاب ألف توبة . خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً : العمل الصالح : هو الاعتراف بالذنب وتوبتهم منه ، وقيل : هو الخروج مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في سائر الغزوات ، والعمل السيئ : هو تخلفهم عنه في غزوة تبوك ، وقيل : إن العمل الصالح يعم جميع أعمال البر والطاعة ، والسيئ بضده ، وعليه تكون الآية في حق جميع المسلمين ، والحمل على العموم أولى ؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم ، فقد روى الطبراني عن أبي عثمان ، قال : ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله تعالى : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ . ولا تنس أن قوله : خَلَطُوا . . . إلخ إنما هو استعارة تبعية بالفعل لأن الخلط يكون في المحسوسات : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ : فعسى هنا للتأكيد لتحقيق الوقوع إن شاء اللّه تعالى ، وهو ما يفيده قوله جل شأنه : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . الإعراب : وَآخَرُونَ : معطوف على منافقون ، أو على ( قوم ) المحذوف ، وتقدير الكلام : وممن حولكم آخرون ، أو ومن أهل المدينة آخرون ، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره ما يأتي ، فهو مرفوع ، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة ؛ لأنه جمع مذكر سالم ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد . اعْتَرَفُوا : فعل وفاعل ، والألف للتفريق ، بِذُنُوبِهِمْ : متعلقان بالفعل قبلهما ، والهاء : في محل جر بالإضافة ، وجملة : اعْتَرَفُوا . . . إلخ في محل رفع صفة ( آخرون ) ، وجملة : خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً في محل رفع خبر ( آخرون ) ، على اعتباره مبتدأ ، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة على اعتباره معطوفا على ما قبله ، والرابط : الضمير فقط ، و ( قد ) قبلها مقدرة . وَآخَرَ : معطوف على عَمَلًا . سَيِّئاً : صفته . عَسَى : فعل ماض جامد مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر . اللَّهُ : اسمه ، والمصدر المؤول من أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ في محل نصب خبر عَسَى ، ويجب تأويله باسم الفاعل ؛ لأن المصدر لا يخبر به عن الجثة ، وجملة : عَسَى اللَّهُ . . . إلخ ، مستأنفة لا محل لها ، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ ( آخرون ) : واعتبار جملة : خَلَطُوا . . . إلخ حالا ، والجملة الاسمية : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تعليل للرجاء . تأمل ، وتدبر ، واللّه أعلم ، وأجل ، وأكرم .