الشيخ محمد علي طه الدرة

204

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي : إن ذلك البكاء في الآخرة معاقبة لهم على ضحكهم ، وأعمالهم الخبيثة في الدنيا ، وانظر ( جزاء ) في الآية رقم [ 26 ] هذا ؛ وقد كان بعض المسلمين لا يضحك في الدنيا ، من شدة الخوف ، وإن كان عبدا صالحا . وهذا مأخوذ من قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا ، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى اللّه تعالى ، لوددت أنّي كنت شجرة تعضد » . أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، وكان الصحابة يضحكون ، إلا أن الإكثار منه مذموم منهي عنه ، وهو من فعل السفهاء والبطالة ، وإن كثرته تميت القلب ، وأما البكاء من خوف اللّه وعقابه فمحمود ، فقد روى البغوي ، وابن ماجة عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « يا أيّها الناس ابكوا ، فإن لم تستطيعوا أن تبكوا ، فتباكوا ، فإنّ أهل النار يبكون حتّى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع ، فتسيل الدّماء ، فتفرغ العيون ، فلو أنّ سفنا أجريت فيها لجرت » . تنبيه : البكاء بالقصر : إسالة الدمع من غير رفع صوت ، وبالمد : إسالة الدمع مع رفعه ، قال الخليل رحمه اللّه تعالى : من قصر البكا ذهب به إلى معنى الحزن ، ومن مدّه ذهب به إلى معنى الصوت ، قال كعب بن مالك الأنصاري رضي اللّه عنه : [ الوافر ] بكت عيني ، وحقّ لها بكاها * وما يغني البكاء ، ولا العويل الإعراب : فَلْيَضْحَكُوا : الفاء : حرف استئناف . ( ليضحكوا ) : مضارع مجزوم بلام الأمر ، وعلامة جزمه حذف النون . . . إلخ ، والواو فاعله ، والألف للتفريق . قَلِيلًا : صفة لمفعول مطلق محذوف ، التقدير : ضحكا قليلا ، أو هو صفة لزمان محذوف ، التقدير : زمانا قليلا ، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب ، وَلْيَبْكُوا كَثِيراً : مثلها ، وهي معطوفة عليها لا محل لها مثلها . جَزاءً : مفعول لأجله ، أو هو مفعول مطلق ، عامله محذوف ، وقيل : عامله ما قبله على المعنى . بِما : متعلقان ب جَزاءً ، أو بمحذوف صفة له ، و ( ما ) تحتمل الموصولة ، والموصوفة ، والمصدرية ، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء ، والجملة الفعلية بعدها صلتها ، أو صفتها ، والعائد أو الرابط . محذوف ؛ إذ التقدير : جزاء بالذي ، أو بشيء كانوا يكسبونه ، وعلى المصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء ، التقدير : بكسبهم الأعمال الخبيثة في الدنيا ، والجار والمجرور متعلقان ب جَزاءً ، أو بمحذوف صفة له . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 83 ] فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ ( 83 ) الشرح : فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ : فإن ردك اللّه يا محمد إلى المدينة من غزوة تبوك ، وفيها جماعة من المنافقين وكانوا اثني عشر رجلا ، فإن المقيمين في المدينة ، لم يكونوا