الشيخ محمد علي طه الدرة
196
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ : ولنعملن في ذلك المال ما يعمله الصالحون بأموالهم من صلة الأرحام ، والإحسان إلى الجيران . . . إلخ . تنبيه : نزلت الآية الكريمة ، وما بعدها في ثعلبة بن حاطب ، أحد المنافقين في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، كان ثعلبة فقيرا ، وكان يحضر الصلوات الخمس مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويحضر مواعظه وإرشاداته ، لذا كان يطلق عليه حمامة المسجد . قال ذات يوم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ادع اللّه أن يرزقني مالا ، فقال له سيد الخلق ، وحبيب الحق ، الناطق بالصدق : « ويحك يا ثعلبة ! قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه » . ثم عاد ثانيا : فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أما ترضى أن تكون مثل نبيّ اللّه ، لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا لسارت » . ثم أتاه بعد ذلك ، فقال : يا رسول اللّه ! ادع اللّه أن يرزقني مالا ، والذي بعثك بالحق ، لئن رزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه ! فدعا له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فاتخذ غنما ، فنمت كما تنمي الدود ، فضاقت عليه المدينة ، فتنحى عنها ، ونزل واديا من أوديتها ، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ، ويصلي سائر الصلوات في غنمه ، ثم نمت وكثرت ، فتباعد عن المدينة ، فصار لا يشهد إلا الجمعة . ثم كثرت ، حتى تباعد عن المدينة ، حتى صار لا يشهد جمعة ، ولا جماعة ، فقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا ويح ثعلبة ! » . ثلاثا ، فلما أنزل اللّه آية الصدقة بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رجلين يأخذان الزكاة من المسلمين ، وقال لهما : « مرا بثعلبة ، وبفلان ، رجل من بني سليم ، فخذا صدقاتهما » . فأتيا ثعلبة فسألاه الصدقة ، وأقرآه كتاب رسول اللّه ، فقال : ما هذه إلا أخت الجزية ، انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا إلي ، فانطلقا إلى السلمي ، فأخذ خيار غنمه ، وإبله ، فعزلها للصدقة ، ثم استقبلهما بها ، فلما رأياها ، قالا : ما هذه عليك ، قال : خذاها ، فإن نفسي بذلك طيبة ، فمرا على الناس ، وأخذا الصدقات . ثم رجعا إلى ثعلبة ، فسألاه زكاة ماله ، فقال : ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ، اذهبا حتى أرى رأيي ، فرجعا إلى المدينة ، فلما رآهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال قبل أن يتكلما : « يا ويح ثعلبة ! يا ويح ثعلبة ! يا ويح ثعلبة ! » . فأخبراه بالذي صنع ثعلبة ، والسلمي ، فدعا للسلمي بخير ، فأنزل اللّه الآية ، وما بعدها إلى قوله : وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ، وعند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجل من أقارب ثعلبة ، فسمع ذلك ، فخرج حتى أتاه ، فقال : ويحك يا ثعلبة ! لقد أنزل اللّه فيك كذا وكذا ، فخرج ثعلبة ، وأخذ معه غنيمات حتى أتى سيد الخلق ، وحبيب الحق ، الناطق بالصدق ، فسأله أن يقبل منه ما أتى به . فقال : « إنّ اللّه منعني أن أقبل منك صدقتك » . فجعل يحثو التراب على رأسه ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني » . فرجع إلى غنمه خائبا ، فلما قبض