الشيخ محمد علي طه الدرة

128

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ أي : برحبها : بسعتها ، لا تجدون فيها مقرّا تطمئن إليه نفوسكم ، من شدة الرعب ، خذ قول الشاعر : [ الطويل ] كأنّ بلاد اللّه ، وهي عريضة * على الخائف الطّلوب كفّة حابل هذا ؛ و ( الرحب ) بالضم : السعة ، وهو بفتح الراء الواسع ، والفعل ( رحب ) من باب ظرف . وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ أي : منهزمين أعطيتم ظهوركم لأعدائكم . تنبيه : الآية الكريمة ، وما بعدها متعلقتان بغزوة حنين ، وقد حصلت هذه الحرب مع قبيلة هوازن ، وساعدهم بنو ثقيف بعد فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة ، وتسليم مقاليدها للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن قبيلة هوازن لما سمعوا بذلك ؛ حشدوا جموعهم مع حلفائهم ، وظنوا أنهم يقضون على الرسول العظيم ، وعلى أصحابه أجمعين لتكون السيطرة لهم على مكة ، بعد قريش الذين استسلموا ، وكان أميرهم وصاحب رأيهم دريد بن الصمة ، فولوا مكانه شابا هو مالك بن عوف النصري ، فساق مع الكفار أموالهم ومواشيهم ، ونساءهم ، وأولادهم ، وزعم أن ذلك يحمي به نفوسهم ، ويشد عزيمتهم . فلما سمع القائد العظيم صلّى اللّه عليه وسلّم بقدومهم ، ندب أصحابه لملاقاتهم قبل هجومهم على مكة ، وكانت عدة المسلمين عشرة آلاف ، وخرج من أهل مكة معه ألفان ، ممن أسلموا ، حديثا ، وممن بقوا على شركهم بموجب معاهدة مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولما خرج الجيش الخضم من مكة ، قال رجل من الأنصار ، يقال له : سلمة بن سلامة بن رقيش : لن نغلب اليوم من قلة ، فساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كلامه ، زلق بعض المفسرين فنسب الكلمة إلى رسول اللّه ، وبعضهم نسبها إلى أبي بكر ، وحاشاهما من ذلك . وكانت قبيلة هوازن قد كمنت في مضيق يقع بين جبلين ، فلما اندفع المسلمون إلى المضيق ، رشقهم الكفار بالنبل ، فدهش المسلمون ، وانجفلوا هاربين ، لا يلوون على شيء ، وثبت الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو راكب على بغلته ، وهو يقول : أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ، وثبت معه رجال قليلون يدافعون عنه ، مثل أبي بكر وعمر وعلي والعباس ، وأولاده ، وابن أخيه أبو سفيان بن الحارث ، الذي كان آخذا بزمام بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وغيرهم . فقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا عباس ! ناد أصحاب السمرة » . وهي الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية ، فنادى العباس ، وكان رجلا صيتا ، ويروى من شدة صوته : أنه أغير يوما على مكة ، فنادى : واصباحاه ! فأسقطت كل حامل سمعت صوته جنينها ، فنادى بأعلى صوته : أين أصحاب السمرة ؟ قال : فو اللّه لكأنهم بقر عطفوا على أولادها ، فقالوا : يا لبيك ! يا لبيك ! فاقتتلوا مع الكفار ، ثم أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كفا من حصى ، فرمى بهن وجوه الكفار ، وقال : « شاهت الوجوه » . ثم قال : « انهزموا ورب محمد » . فلم تبق عين إلا دخلها من ذلك ، وانظر