الشيخ محمد علي طه الدرة
100
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 2 ] فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ ( 2 ) الشرح : فَسِيحُوا : سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين ، آمنين غير خائفين أحدا من المسلمين بحرب ، ولا سلب ، ولا قتل ، ولا أسر . أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ : هي شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ؛ لأن الآية نزلت في شوال ، وقيل : هي عشرون من ذي الحجة ، والمحرم ، وصفر ، وربيع الأول ، وعشر من ربيع الآخر ؛ لأن التبليغ كان يوم النحر ، كما ستعرفه ، وانظر شرح الأشهر في الآية رقم [ 37 ] . وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ أي : اعتقدوا وتيقنوا : أنكم لا تعجزون اللّه ، ولا تفوتونه ، واعتقدوا أن اللّه مذل الكافرين بالقتل والأسر في الدنيا ، والعذاب في الآخرة ، وانظر شرح كَفَرُوا في الآية رقم [ 66 ] ( الأعراف ) ، هذا ؛ و غَيْرُ اسم شديد الإبهام ، ولا يتعرف بالإضافة لمعرفة وغيرها ، وهو ملازم للإضافة ، ويجوز أن يقطع عنها ، إن فهم المعنى ، أو تقدمت كلمة ليس عليها ، يقال : قبضت عشرة ليس غير ، وهو مبني على الضم ، أو الفتح خلاف ، وإن أردت الزيادة فانظر مبحثها في كتابنا : « فتح القريب المجيب » . تنبيه : لقد اختلف العلماء في هذا التأجيل ، وفي هؤلاء الذين برئ اللّه ورسوله إليهم من العهود التي كانت بينهم وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال مجاهد : هذا التأجيل من اللّه للمشركين ، فمن كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر رفعه إلى أربعة أشهر ، ومن كانت مدته أكثر حطه إليها ، ومن كان عهده بغير أجل معلوم محدود حدّه بها ، ثم هو بعد ذلك حرب للّه ولرسوله ، يقتل حيث أدرك ، ويؤسر إلا أن يتوب ويرجع إلى الإيمان ، وكان ابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر ، وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر في السنة التاسعة للهجرة على المعتمد . وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد أراد الحج ، فقيل له : إن المشركين يحضرون ، ويطوفون بالبيت عراة ، فقال : « لا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك » . فبعث أبا بكر - رضي اللّه عنه - في تلك السنة أميرا على الحج ، ثم بعد مسيره بأيام نزلت الآيات من أول سورة براءة ، فبعث بها مع علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - على ناقته العضباء ليقرأ الآيات على الناس ، وأمره أن يؤذن بمكة ومنى ، وعرفة : أن قد برئت ذمة اللّه وذمة رسوله من كل مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، فقيل له : لو بعثت بها إلى أبي بكر ، فقال : لا يبلغ عني إلا رجل مني ، فلما قرب علي رضي اللّه عنه سمع أبو بكر رضي اللّه عنه الرغاء ، فوقف ، وقال : هذا رغاء ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلما لحقه ، قال : أمير أم مأمور ؟ قال : بل مأمور ، فلما كان يوم التروية ، خطب أبو بكر الناس ، وعلمهم مناسكهم ، ووقف علي يوم النحر عند جمرة العقبة ، وقال : يا أيها الناس ! إني رسول اللّه إليكم . قالوا : بماذا ؟ فقرأ عليهم الآيات من أول سورة براءة ثلاثين أو أربعين ، ثم قال : أمرت بأربع :