الشيخ محمد علي طه الدرة
5
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
سورة المائدة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة المائدة هي مدنية إلّا قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ الآية رقم [ 3 ] ، فإنّها نزلت بعرفة في حجّة الوداع يوم عرفة والنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم واقف بها ، فقرأها في خطبته ، وقال : « يا أيها الناس إنّ سورة ( المائدة ) من آخر القرآن نزولا ، فأحلّوا حلالها ، وحرّموا حرامها » . وإنّما خصّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هذه السورة من بين سور القرآن بالذكر - وكل سور القرآن يجب أن يحل المسلم حلالها ، ويحرم حرامها - لزيادة الاعتناء بها ، فهو كقوله تعالى في سورة ( التوبة ) رقم [ 36 ] : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ . . . إلخ حيث أكد اجتناب الظلم في أربعة منها ، وإن كان الظلم لا يجوز في شيء من جميع أشهر السنة ؛ لزيادة الاعتناء بها . وقيل : إنّما خص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هذه السورة بالذّكر ؛ لأنّ فيها ثمانية عشر حكما لم تنزل في غيرها من سور القرآن . قال البغويّ : روي عن ميسرة ؛ قال : إنّ اللّه تعالى أنزل في هذه السورة ثماني عشر حكما لم ينزلها في غيرها ، وهي : وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ ، وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ ، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ، وتمام الطّهور في قوله تعالى : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ . . . ، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ، لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إلى قوله تعالى : عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ، * وقوله تعالى : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وقوله تعالى : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ . وفريضة تاسعة عشرة ، وهي قوله عزّ وجل : وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ليس للأذان ذكر في القرآن إلا في هذه السّورة ، أمّا ما في سورة الجمعة فمخصوص بالجمعة ، وهو في هذه السّورة عام لجميع الصلوات . هذا ؛ وروى الإمام أحمد عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص - رضي اللّه عنهما - قال : أنزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سورة ( المائدة ) وهو راكب على راحلته ، فلم تستطع أن تحمله ، فنزل عنها ، أي : لثقل الوحي الذي ينزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وسمّيت سورة ( المائدة ) لورود ذكر المائدة فيها ، حيث طلب الحواريّون من عيسى - عليه السّلام - آية تدلّ على صدق نبوّته ، وتكون لهم عيدا .