الشيخ محمد علي طه الدرة

14

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : يقول اللّه تعالى : ما أدركتم من هذا كلّه ؛ وفيه روح ؛ فاذبحوه ، فهو حلال . وأمّا كيفية إدراكها ؛ فقال أكثر أهل العلم من المفسّرين : إن أدركت ذكاته بأن توجد له عين تطرف ، أو ذنب يتحرّك . فأكله جائز . قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : إذا طرفت بعينها ، أو ركضت برجلها ، أو تحركت ؛ فاذبح فهو حلال . واختار الزجّاج وابن الأنباري : أنّ معنى التّذكية : أن تلحقها ، وفيها بقيّة تشخب معها الأوداج ، ويضطرب المذبوح لوجود الحياة فيه قبل ذلك ؛ وإلا ؛ فهو كالميتة . وأصل ( الذكاة ) في اللّغة : تمام الشيء . فالمراد من التّذكية تمام قطع الأوداج ، وإنهار الدم . ويدل عليه ما روي عن رافع بن خديج عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما أنهر الدّم ، وذكر اسم اللّه عليه ؛ فكلوه ، ليس السنّ الظّفر ، وسأحدّثكم عن ذلك ، أمّا السّنّ ؛ فعظم ، وأمّا الظّفر ؛ فمدى الحبشة » . أخرجاه في الصّحيحين . هذا وأقل الذّبح في الحيوان المقدور عليه قطع المريء ، والحلقوم . وأكمله قطع الودجين مع ذلك . وغير المقدور عليه كحيوان وقع في بئر ، أو شرد ؛ فجرحه في أيّ جزء منه يحلّه ، واللّه الموفّق . وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ : واحد النصاب ، وهي : أحجار كانت منصوبة حول الكعبة ، أو في مكان آخر يذبحون عليها ، ويعدّون ذلك قربة . وقيل : هي الأصنام التي كانوا يعبدونها ، فتكون : عَلَى بمعنى اللام ، ويكون المراد تعظيمها بهذا الذّبح ، لا المانع ذكر اسمها ، فإن ما يذكر اسم اللّه عليها قد تقدّم بقوله تعالى : وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ : قال الأعشى من قصيدته الّتي مدح بها النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : [ الطويل ] وذا النّصب المنصوب ، لا تنسكنّه * لعافية واللّه ربّك فاعبدا وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ : تطلبوا القسم ، والحكم بالأزلام ، وهذا من المحرّمات . و ( الأزلام ) : جمع : زلم بوزن جمل ، أو صرد لغتان : قدح - بكسر القاف - سهم صغير لا ريش له ، ولا نصل ، وكانت سبعة مستوية ، مكتوب على واحد : أمرني ربي ، وعلى واحد : نهاني ربي ، وعلى واحد : منكم ، وعلى واحد : من غيركم ، وعلى واحد : ملصق ، وعلى واحد : العقل ، وواحد غفل ، أي : غير مكتوب عليه شيء . وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا سفرا ، أو تجارة ، أو نكاحا ، أو اختلفوا في نسب ، أو أمر قتيل ، أو تحمل عقل ، أو غير ذلك من الأمور العظام ؛ جاؤوا إلى هبل ، وكان أعظم صنم لقريش بمكة ، وكان في الكعبة ، وجاؤوا بمئة درهم ، وأعطوها صاحب القداح ؛ حتى يجيلها لهم ، فإن خرج : أمرني ربي ؛ فعلوا ذلك الأمر ، وإن خرج : نهاني ربي ؛ لم يفعلوا . وإذا أجالوا على نسب ، فإن خرج : منكم ؛ كان وسطا فيهم ، وإن خرج : من غيركم ؛ كان حليفا فيهم ، وإن خرج : ملصق ؛ كان على حاله . وإن اختلفوا في العقل ، وهو الدّية ، فمن خرج عليه قدح العقل ؛ تحمّله ، وإن خرج الغفل ؛ أجالوا ثانيا ؛ حتّى يخرج المكتوب عليه . فنهاهم اللّه عن ذلك ، وحرّمه ، وسمّاه : فسقا . انتهى . خازن .