الشيخ محمد علي طه الدرة
10
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
الحرام : الكعبة المعظمة ، ويلحق بها جميع الحرم ؛ لما صحّ من حديث ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خطب يوم فتح مكّة ، فقال : « إنّ هذا البلد حرام حرّمه اللّه تعالى يوم خلق السّموات والأرض ، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكه ، ولا ينفّر صيده ، ولا تلتقط لقطته إلّا لمن عرّفها ، ولا يختلى خلاه » . والحلال : ضد الحرام . وَلَا الْهَدْيَ : هو ما أهدي إلى الحرم من النّعم ليذبح فيه ، ويأكله الفقراء ، والمساكين . والمراد : النّهي عن التعرّض له بسوء . وَلَا الْقَلائِدَ : هو كل ما علق على أسنمة الهدايا ، وأعناقها علامة : أنّه للّه سبحانه : من نعل ، أو قشر شجر ، وهي سنّة إبراهيميّة بقيت في الجاهلية ، وأقرّها الإسلام ، وعطفها على الهدي من ذكر الخاصّ بعد العام ، فإنّها أشرف الهدي ، وأعظمه ، قال الشاعر : حلفت بربّ مكّة والمصلّى * وأعناق هدين مقلّدات والمعنى : ولا تستحلّوا الهدي خصوصا المقلّدات منها . وقيل : أراد أصحاب القلائد ، وذلك : أن العرب في الجاهلية كانوا إذا أرادوا الخروج من الحرم ؛ قلّدوا أنفسهم ، وإبلهم من لحاء شجر الحرم إذا رجعوا من مكّة ؛ ليأمنوا على أنفسهم من العدو ، فإنّهم كانوا إذا رأوا شخصا جعل في عنقه تلك القلادة عرفوا : أنّه راجع من الحرم ، فلا يتعرضوان له . فعلى هذا فالعطف للمغايرة . وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ أي : ولا تستحلوا القاصدين إلى البيت الحرام ، وهو الكعبة المعظمة شرفها اللّه ، وعظمها . يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً : يطلبون من اللّه الرزق ، والأرباح في التجارة ، ويطلبون رضا اللّه عنهم بزعمهم ؛ لأنّ الكافر لا حظّ له في الرضوان ، لكن يظن : أن فعله ذلك طلب الرضوان ، فيجوز أن يوصف به بناء على ظنّه . وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا : أمر إباحة ، أي : إن حللتم من إحرامكم ؛ فاصطادوا الوحوش الّتي يحلّ أكلها ؛ لأنّ اللّه تعالى حرّم الصيد على المحرم حالة إحرامه ، أو كان في أرض الحرم ، كما تقدم . وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ أي : لا يحملنكم : شَنَآنُ قَوْمٍ : بغض قوم ، وعداوتهم . أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي : منعوكم عن المسجد الحرام ، وهذا كان من قريش عام الحديبية . أَنْ تَعْتَدُوا : عليهم انتقاما منهم بأخذ أموالهم ، وقتلهم . هذا ؛ وقرئ بفتح الهمزة ، وكسرها ، فالفتح على التعليل . والكسر ، فمعناه : إن وقع صدّ لكم ؛ فلا يكسبنكم بغض من صدّكم أن تعتدوا ، فالصدّ منتظر ، ومنه قول الفرزدق - وهو الشاهد رقم [ 29 ] من كتابنا فتح القريب المجيب يروى بفتح همزة : « أن » ، وكسرها ، وخذه : [ الطويل ] أتغضب أن أذنا قتيبة حزّتا * جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم ؟