الشيخ محمد علي طه الدرة

28

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 14 ] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ( 14 ) الشرح : زُيِّنَ لِلنَّاسِ . . . إلخ : حسّنت في أعينهم ، وأشربت محبتها في قلوبهم ، حتى تهالكوا عليها ، وأعرضوا عن غيرها . والمزين في الحقيقة هو اللّه تعالى ؛ إذ ما من شيء إلا هو فاعله ، وكلّ من الشيطان ، والقوة الحيوانية ، وما خلقه اللّه فيها من الأمور البهيمية ، والأشياء الشهية مزيّن بالعرض . انتهى بيضاوي . هذا ؛ وفي كثير من الآيات : زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ . * وفي كثير منها إسناد الفاعل إلى اللّه ، مثل قوله تعالى : زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ . وفي كثير زُيِّنَ بالبناء للمجهول ، والمزيّن في الحقيقة هو اللّه تعالى عند أهل السنة ، وإنما جعل الشيطان آلة بإلقاء الوسوسة في قلوب العباد ، وليس له قدرة أن يضل ، أو يهدي أحدا ، وإنما له الوسوسة فقط ممّن أراد اللّه ، وقدر شقاوته سلطه عليه ؛ حتى يقبل وسوسته . وهذا مبني على أنّ العبد لا يخلق أفعال نفسه ، وإنما يخلقها اللّه تعالى ، كما قال : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ . وأما المعتزلة ؛ فيسندون الوسوسة ، والتزيين إلى الشيطان حقيقة ، وهذا مبنيّ على اعتقادهم : أنّ العبد يخلق أفعال نفسه ، وهو مبني على القاعدة الفاسدة في إيجاب رعاية الصلاح ، والأصلح للعبد ، وامتناع أن يخلق اللّه تعالى للعبد إلا ما هو مصلحة له ، فمن ثم اعتبروا التزيين من اللّه تعالى مجازا ، ومن الشيطان حقيقة ، ولو عكسوا الجواب ؛ لفازوا بالصواب ، وإلى اللّه المرجع والمآب . وتزيين اللّه للابتلاء ، وليتبيّن عبد الشهوة من عبد المولى ، وهو ظاهر قول عمر - رضي اللّه عنه - : ( اللّهمّ لا صبر لنا على ما زيّنت لنا ، إلّا بك ) . وقوله تعالى في كثير من الآيات : يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ دليل واضح ، وصريح : أنّ اللّه هو الفاعل المختار ، فالمعتزلة تقول : العبد يخلق أفعال نفسه ، والجبرية تقول : ليس للعبد كسب ، بل هو مجبور كالريشة المعلّقة في الهواء ، تقلبها الرياح كيف شاءت ، فالمعتزلة فرّطوا ، والجبرية أفرطوا ، وتوسط أهل السّنّة ، وخير الأمور أواسطها ؛ حيث قالوا : ليس للعبد في أفعاله الاختيارية إلا الكسب ، فليس مجبورا كما تقول الجبرية ، وليس خالقا لها كما تقول المعتزلة ، فخرج مذهبهم من بين فرث ، ودم خالصا سائغا للشاربين . قال أحد الجبريّة موردا على أهل السنة : [ البسيط ] ما حيلة العبد والأقدار جارية * عليه في كلّ حال أيّها الرّائي ؟