الحسن بن محمد الديلمي
349
إرشاد القلوب
الذي أمرني به فاحتملته صابرا محتسبا ثم التفت إلى أصحابه فقال أليس كذلك قالوا بلى يا أمير المؤمنين وأما الثانية يا أخا اليهود فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرني في حياته على جميع أمته وأخذ على جميع من حضره منهم البيعة لي بالسمع والطاعة وأمرهم أن يبلغ الشاهد منهم الغائب في ذلك فكنت المؤدي إليهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمره إذا حضرته والأمير على من حضرني منهم إذا فارقته لا يختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لي في شيء من الأمور في حياة النبي ولا وفاته ثم أمر رسول الله بتوجيه الجيش الذي وجهه مع أسامة بن زيد عندما أحدث الله به من المرض الذي توفاه فيه فلم يدع النبي أحدا من أفناء العرب من الأوس والخزرج وغيرهم من سائر الناس ممن يخاف على نقضه ومنازعته ولا أحدا ممن يراني بعين البغضاء ممن قد وترته بقتل أبيه أو أخيه أو حميمه إلا وجهه في ذلك الجيش ولا من المهاجرين والأنصار ومن المسلمين وغيرهم من المؤلفة قلوبهم والمنافقين لتصفو قلوب من يبقى معي بحضرته ولئلا يقول قائل شيئا مما أكرمه ولا يدفعني دافع عن الولاية والقيام بأمور رعيته وأمته من بعده ثم كان آخر ما تكلم به في شيء من أمر أمته أن يمضي جيش أسامة ولا يتخلف عنه أحد ممن انهض معه وتقدم في ذلك أشد التقدم وأوعز فيه أبلغ الإيعاز وأكد فيه التأكيد فلم أشعر بعد أن قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا برجال ممن بعث مع أسامة بن زيد وأهل عسكره قد تركوا مراكزهم وأخلوا بمواضعهم وخالفوا أمر رسول الله فيما أنهضهم له وأمرهم به وتقيدهم من ملازمة أميرهم والمسير معه تحت لوائه حتى ينفذ الوجه الذي أنفذه إليه فخلفوا أميرهم مقيما في عسكره وأقبلوا يتبادرون على الخيل ركضا إلى حل عقدة عقدها الله عز وجل في أعناقهم فحلوها ونكثوها وعقدوا لأنفسهم عقدا ضجت به أصواتهم واختصت به آراؤهم من غير مناظرة لأحد من بني عبد المطلب ولا مشاركة في رأي أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتي فعلوا ذلك وأنا برسول الله مشغول بتجهيزه عن سائر الأشياء مصدود فإنه كان أهمها وأحق ما بدأ به منها وكان هذا يا أخا اليهود أقرح ما ورد على قلبي مع الذي أنا فيه