الشيخ محمد علي طه الدرة
99
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
أرسلك أن لا تأخذ مني شيئا ، يكون للنار فيه نصيب . فقال : وأنا أعوذ بعزّته أن أعصي له أمرا ، وقبض منها قبضة من جميع بقاعها : من عذبها ، ومالحها ، وحلوها ، ومرّها ، وطيّبها ، وخبيثها ، وصعد بها إلى السماء ، فسأله ربّه ، عزّ وجل ، وهو أعلم بما صنع ، فأخبره بما قالت ، وبما ردّ عليها ، فقال اللّه - عز وجل - : وعزّتي ، وجلالي لأخلقنّ ممّا جئت به خلقا ، ولأسلطنّك على قبض أرواحهم لقلّة رحمتك ، ثمّ جعل اللّه تلك القبضة ، نصفها في الجنّة ، ونصفها في النّار ، ثم تركها ما شاء اللّه ، ثمّ أخرجها ، فعجنها بيده لكيلا يتكبّر إبليس عنه ، فعجنها طينا لازبا ، قال تعالى في سورة الصافات رقم [ 11 ] : إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ وقال تعالى في سورة المؤمنون رقم [ 12 ] : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ فكان جسدا من طين أربعين سنة ، ثمّ كان حمأ مسنونا مدّة ؛ أي : طينا منتنا ، قال تعالى في سورة الرحمن رقم [ 14 ] : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ . ثم كان جسدا ملقى على باب الجنة مدّة ، فكانت الملائكة يعجبون من صفة صورته ، لأنّهم لم يكونوا رأوا مثله . وكان إبليس يمرّ عليه ، ويقول : لأمر ما خلق هذا ، ونظر إليه ؛ فإذا هو أجوف . فقال : هذا خلق لا يتمالك ، ودخل من فمه ، وخرج من دبره ، وقال للملائكة : إن فضّل هذا عليكم ما ذا تصنعون ؟ فقالوا : نطيع اللّه ، ولا نعصيه ، فقال إبليس في نفسه : لئن فضّل عليّ ؛ لأعصينّه ، ولئن فضّلت عليه ؛ لأهلكنّه . فلما أراد اللّه تعالى أن ينفخ فيه الروح ؛ أمرها أن تدخل في جسده ، فنظرت فرأت مدخلا ضيقا ، فقالت : يا ربّ ! كيف أدخل هذا الجسد ، قال اللّه عز وجل : ادخليه كرها ، وستخرجين منه كرها ، فدخلت في يافوخه ، فوصلت إلى عينيه ، فجعل ينظر إلى سائر جسده طينا ، فسارت إلى أن وصلت إلى منخريه ، فعطس ، فلما بلغت لسانه : قال : الحمد للّه ربّ العالمين ، وهي أول كلمة قالها ، فناداه اللّه تعالى : رحمك اللّه يا أبا محمد ! ولهذا خلقتك ، ولما بلغت جوفه ؛ اشتهى الطّعام ، ولما بلغت الركبتين همّ ليقوم ، فلم يقدر ، كما قال تعالى في سورة الأنبياء رقم [ 37 ] : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ فلما بلغت الساقين ، والقدمين ، استوى قائما بشرا سويّا ، لحما ، ودما ، وعظما ، وعروقا ، وعصبا ، وأحشاء ، وكسي لباسا من ظفر ، يزداد جسده جمالا وحسنا كل يوم ، وجعل في جسده تسعة أبواب : سبعة في رأسه ، وهي الأذنان يسمع بهما ، والعينان يبصر بهما ، والمنخران يشم بهما ، والفم فيه اللسان يتكلم به ، والأسنان يطحن بها ما يأكله ، ويجد لذة المطعومات بها ، وبابين في أسفله ، وهما القبل ، والدبر ، يخرج منهما ثفل طعامه ، وشرابه ، وجعل عقله في دماغه ، وفكره ، وصرامته في قلبه ، وشرهه في كليته ، وغضبه في كبده ، ورغبته في رئته ، وضحكه في طحاله ، وفرحه ، وحزنه في وجهه . فسبحان من جعله يسمع بعظم ، ويبصر بشحم ، وينطق بلحم ، ويعرف بدم ، وركب فيه الشهوة ، وحجزه بالحياء .