الشيخ محمد علي طه الدرة
685
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
الشُّهَداءِ أي : ممن ترضون دينه ، وخلقه ، وأمانته ، وهو ما يعبر عنه بالعدالة ، وهي الاعتدال في الأحوال الدينية ، وذلك يتمّ بأن يكون مجتنبا للكبائر ، محافظا على مروءته ، وغير مصرّ على الصغائر ، ظاهر الأمانة غير مغفل هذا ، وإذ قد شرط اللّه تعالى الرضا ، والعدالة في المداينة ، فاشتراطها عند الأئمّة في النّكاح أولى ، خلافا لأبي حنيفة حيث قال : إنّ النّكاح ينعقد بشهادة فاسقين . وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ أي : لا تملّوا أن تكتبوا الحقّ على أيّ حال كان من القلّة ، والكثرة إلى أجله ، قال الأخفش : يقال : سئمت ، أسأم ، سأما ، وسآمة وسآما ، وسأمة وسأما ، قال زهير في معلقته رقم [ 58 ] : [ الطويل ] سئمت تكاليف الحياة ، ومن يعش * ثمانين حولا - لا أبا لك - يسأم ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ : أعدل . وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ : أصح ، وأحفظ . وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا : وأقرب إلى اليقين وعدم الريبة ؛ لأنكم ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه ، فيفصل بينكم . إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً . . . إلخ ؛ أي : إذا كان البيع الحاضر يدا بيد ؛ فلا حاجة إلى الكتابة لانتفاء المحذور ، وهو التنازع ، ومعنى تُدِيرُونَها : تعاطيها يدا بيد . فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ . . . إلخ : فلا بأس ولا مؤاخذة . وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ : أمر بالإشهاد على التبايع مطلقا ، ناجزا ، أو كالئا ؛ لأنه أبعد من وقوع الاختلاف ، وهو أمر ندب بلا شكّ ، ولم يحك عن أحد ممن قال بالوجوب إلا الضّحاك . قال : وقد باع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكتب ، وقد باع ولم يشهد ، واشترى ، ورهن درعه عند يهودي ، ولم يشهد ، ولو كان الإشهاد واجبا ؛ لوجب مع الرهن لخوف المنازعة . وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ : يحتمل الفعل البناء للفاعل ، والبناء للمفعول ، فالمعنى على الأول : لا يدخل الكاتب ، والشاهد الضّرر على صاحب الحق ، والمدين بزيادة أو نقص . وعلى الثاني : لا يدخل الضرر من صاحب الحق والمدين على الكاتب ، والشهيد ، بأن يدعى الشّاهد إلى الشهادة ، والكاتب إلى الكتابة ، وهما مشغولان ؛ فإن اعتذرا بعذرهما ؛ أخرجهما وآذاهما ، وقال : خالفتما أمر اللّه . ونحو هذا من القول الفظ ، فيضربهما . هذا ؛ وعلى الأول فأصل الفعل : ( يضارر ) وعلى الثاني ، فأصله : ( يضارر ) بفتح الراء الأولى ، والأول بكسرها ، ومثله قوله تعالى في الآية رقم [ 233 ] : لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها . ( إِنْ تَفْعَلُوا ) يعني : المضارّة فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ أي : معصية . فعن سفيان الثوري - رحمه اللّه تعالى - قال : فالكاتب ، والشاهد يعصيان بالزيادة ، والنقصان ، وذلك في الكذب المؤذي في الأموال ، والأبدان ، وفيه إبطال الحق ، وكذلك إذايتهما إذا كانا مشغولين معصية ، وخروج عن الصّواب من حيث المخالفة لأمر اللّه .