الشيخ محمد علي طه الدرة
682
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ : قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : لمّا حرم اللّه الرّبا ؛ أباح السّلم ، وقال : أشهد أن السّلف المضمون إلى أجل مسمّى ، قد أحلّه اللّه في كتابه ، وأذن فيه . هذا وهي تتناول جميع المداينات إجماعا ، وقال خويز منداد : إنّها تضمنت ثلاثين حكما . بِدَيْنٍ : تأكيد مثل قوله تعالى في سورة الأنعام : وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ وحقيقة الدّين عبارة عن كل معاملة ، كان أحد العوضين فيها نقدا ، والآخر في الذّمّة نسيئة ، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا ، والدّين ما كان غائبا ، قال الشاعر : [ الوافر ] لترم بي المنايا حيث شاءت * إذا لم ترمني في الحفرتين إذا ما أوقدوا حطبا ونارا * فذاك الموت نقدا غير دين إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي : معين معلوم ، قال ابن المنذر : دلّ قوله تعالى على أنّ السّلم إلى الأجل المجهول غير جائز ، ودلّت السّنّة على مثل معنى كتاب اللّه ، فقد ثبت : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قدم المدينة ، وهم يستلفون في الثّمار السّنتين ، والثلاث ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أسلف في تمر ، فليسلف في كيل معلوم ، ووزن معلوم ، إلى أجل معلوم » . رواه البخاريّ ، ومسلم ، وغيرهما عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - . وجوز المالكية السّلم إلى الحصاد ، والجذاذ ؛ لأن ذلك يختصّ بوقت ، وزمن معلوم . فَاكْتُبُوهُ : أمر منه تعالى بالكتابة للتوثقة ، والحفظ ، فأمر العباد أمر إرشاد لا أمر إيجاب ، كما ذهب إليه بعضهم ، قال ابن جريج - رحمه اللّه تعالى - : من ادّان فليكتب ، ومن ابتاع ، فليشهد ؛ فقد روى الإمامان : الحافظ ابن مردويه ، والحاكم في مستدركه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « ثلاثة يدعون اللّه فلا يستجاب لهم : رجل له امرأة سيّئة الخلق فلم يطلّقها ، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ ، ورجل أقرض رجلا مالا ، فلم يشهد » قال الحاكم : صحيح الإسناد على شرط الشيخين ، وقال قتادة - رحمه اللّه - ذكر لنا أنّ أبا سليمان المرعشي ، كان رجلا صحب كعبا ، فقال ذات يوم لأصحابه : هل تعلمون مظلوما دعا ربه فلم يستجب له ؟ فقالوا : وكيف يكون ذلك ؟ قال : رجل باع بيعا إلى أجل ، فلم يشهد ، ولم يكتب ، فلما حلّ ماله جحده صاحبه ، فدعا ربّه ، فلم يستجب له ؛ لأنه قد عصى ربّه . وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ أي : بالقسط ، والحق ، ولا يجر في كتابته على أحد ، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ، ولا نقصان ، ومن غير تقديم أجل ، أو تأخيره . قال الإمام مالك رحمه اللّه تعالى : لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها ، عدل في نفسه مأمون . وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ : ولا يمتنع كاتب من كتابة وثيقة بين المتداينين . واختلف في وجوب الكتابة على الكاتب ، والشهادة على الشاهد ، فأحسن ما قيل : إنه فرض