الشيخ محمد علي طه الدرة
667
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
أشد الحرص ، ويلحق به اللباس ، والكسوة ، والادّخار ، والإنفاق على العيال ، وجميع منافعه . والرّبا في اللغة : الزيادة ، يقال : ربا الشّيء يربو : إذا زاد ، وكثر ، ونما ، قال تعالى في سورة ( الحجّ ) رقم [ 5 ] : وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ . وفي الشرع : مقابلة عوض بآخر مجهول التّماثل في معيار الشّرع حالة العقد ، أو مع تأخير في العوضين ، أو أحدهما ، وهو حرام قطعا بجميع أنواعه . لا يَقُومُونَ : يعني من قبورهم يوم القيامة ، إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ أي : يصرعه ، وأصل الخبط : الضرب ، والوطء على غير هدى ، واستواء ، يقال : ناقة خبوط ، التي تضرب الأرض بقوائمها ، وتطأ الناس بأخفافها ، ومنه قولهم : يخبط خبط عشواء ؛ للرّجل الذي يتصرّف في الأمور على غير اهتداء ، وتمييز وتدبّر ، قال زهير في معلّقته : [ الطويل ] رأيت المنايا خبط عشواء من تصب * تمته ، ومن تخطئ يعمّر ، فيهرم مِنَ الْمَسِّ : من الجنون ، يقال : مسّ الرّجل ، فهو ممسوس : إذا كان به جنون ، قال القرطبيّ - رحمه اللّه تعالى - : في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصّرع من جهة الجنّ ، وزعم : أنّه من فعل الطبائع ، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ، ولا يكون منه مسّ . وقد روى النّسائيّ عن أبي اليسر - رضي اللّه عنه - قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو ، فيقول : « اللّهمّ إنّي أعوذ بك من التردّي ، والهدم ، والغرق ، والحريق ، وأعوذ بك أن يتخبّطني الشّيطان عند الموت ، وأعوذ بك أن أموت مدبرا ، وأعوذ بك أن أموت لديغا ! » وعن أنس - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أنّه كان يقول : « اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الجنون ، والجذام ، والبرص ، وسيّئ الأسقام ، والمسّ ، والجنون ! » رواه أبو داود . وروي في حديث الإسراء : « فانطلق بي جبريل ، فمررت برجال كثير ، كلّ رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم ، منضّدين على سابلة آل فرعون ، وآل فرعون يعرضون على النار بكرة وعشيّا ، فيقبلون مثل الإبل المهيومة ، فيتخبّطون الحجارة ، والشّجر ، لا يسمعون ، ولا يعقلون ، فإذا أحسّ بهم أصحاب تلك البطون ؛ قاموا ، فتميل بهم بطونهم ، فيصرعون ، ثم يقوم أحدهم ، فيميل به بطنه ، فيصرع ، فلا يستطيعون ، براحا ؛ حتى يغشاهم آل فرعون ، فيطؤونهم مقبلين ، ومدبرين ، فذلك عذابهم في البرزخ بين الدّنيا والآخرة ، وآل فرعون يقولون : اللهم لا تقم السّاعة أبدا ، فإنّ اللّه تعالى يقول : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ قلت : يا جبريل ! من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون الرّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ » . أخرجه البغويّ بسند الثعلبي عن أبي سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - . ( ذلك ) أي : العذاب الذي نزل بهم بسبب قولهم في الدّنيا : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا أي : بالحلّ ، والإباحة ، وذلك : أنّ أهل الجاهلية ، كان أحدهم إذا حل أجل دينه على غريمه يطالبه