الشيخ محمد علي طه الدرة

66

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 19 ] أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) الشرح : أَوْ كَصَيِّبٍ . . . إلخ : المعنى : ومثلهم في نفاقهم كمثل مطر نزل من السّماء . . . إلخ ، ففيه ، وفي قوله تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي . . . إلخ : تشبيه تمثيلي ، شبه في الآية السابقة المنافق بالمستوقد للنّار ، وإظهاره الإيمان بالإضاءة ، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النّار ، وفي هذه الآية شبه الإسلام بالمطر ؛ لأن القلوب تحيا به كحياة الأرض بالماء ، وشبه شبهات المنافقين ، والكافرين بالظّلمات ، وما في القرآن من الوعد ، والوعيد بالرّعد ، والبرق . . . إلخ . هذا و ( الصّيّب ) : المطر ، وأصله : صيوب من صاب ، يصوب ؛ أي : نزل ، ينزل ، فقل في إعلاله : اجتمعت الياء ، والواو ، وسبقت إحداهما بالسّكون ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء . وقل مثله في إعلال : ميّت ، وسيّد ، وهيّن . . . إلخ ، وهو على حذف مضاف ؛ أي : مثلهم في نفاقهم كمثل أصحاب صيّب . و السَّماءِ : يذكر ، ويؤنث ، وهو كل ما علاك ، فأظلّك ، ومنه قيل لسقف البيت : سماء ، والسماء يطلق على المطر ، يقال : ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم . قال معاوية بن مالك : [ الوافر ] إذا نزل السّماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا أراد بالسّماء : المطر ، ثمّ أعاد الضمير عليه في رعيناه بمعنى النّبات ، وهذا يسمّى في فن البديع بالاستخدام . وأصل « سماء » : سماو ، فيقال في إعلاله : تحركت الواو وانفتح ما قبلها ، فقلبت ألفا ، ولم يعتد بالألف الزائدة لأنّها حاجز غير حصين ، فالتقى ساكنان : الألف الزائدة ، والألف المنقلبة ، فأبدلت الثانية همزة . ظُلُماتٌ : المراد هنا : ظلمة السّحاب ، وظلمة المطر ، وظلمة اللّيل مجتمعة ، وانظر تفسيرها بغير هذا في الآية رقم [ 17 ] . ( رَعْدٌ وَبَرْقٌ ) : مصدران لا يجمعان ، فالأول : مصدر : رعد ، يرعد ، والثاني : مصدر : برق يبرق . و ( الرّعد ) : اسم ملك يسوق السّحاب ، و ( البرق ) : لمعان سوط من نور يزجر به السّحاب ، قاله ابن عباس ، رضي اللّه عنهما . وفي العلم الحديث : الرّعد : صوت احتكاك أجرام السّحاب ، والبرق : مما ينقدح من احتكاكها . وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : من سمع صوت الرعد ، فقال : سبحان من يسبح الرّعد بحمده ، والملائكة من خيفته ، وهو على كل شيء قدير ، فإن أصابته صاعقة ؛ فعليّ ديته ، وكان يقول : إنّ الوعيد لأهل الأرض شديد ، انظر قوله تعالى في سورة ( الرّعد ) رقم [ 13 ] : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ( 12 ) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ تجد ما يسرك ، ويثلج صدرك ، وعن عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما - :