الشيخ محمد علي طه الدرة

658

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

النّسائيّ . هذا ، والمعتمد : أنّ هذه الصّدقة التي أبيح إعطاؤها لغير المسلمين ، إنّما هي صدقة التطوّع ، وأما المفروضة ؛ فلا يجزئ دفعها لكافر ، لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أمرت أن آخذ الصّدقة من أغنيائكم ، وأردّها في فقرائكم » . وقال الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لمعاذ - رضي اللّه عنه - : « خذ الصّدقة من أغنيائهم ، وردّها على فقرائهم » . هذا وقال ابن العربي : فأمّا المسلم العاصي ؛ فلا خلاف : أنّ صدقة الفطر تصرف إليه إلا إذا كان يترك أركان الإسلام من الصّلاة ، والصّيام ، فلا تدفع إليه الصّدقة ؛ حتّى يتوب ، وسائر أهل المعاصي تصرف الصدقة إلى مرتكبيها ؛ لدخولهم في اسم المسلمين . وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ أي : الأجر ، والثواب لكم ، فلا تمنّوا على أحد ، ولا تنفقوا الخبيث من أموالكم ، فهو مثل قوله تعالى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ * وعن عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أيكم مال وارثه أحبّ إليه من ماله ؟ » قالوا : يا رسول اللّه ! ما منّا أحد إلّا ماله أحبّ إليه ! قال : « فإنّ ماله ما قدّم ، ومال وارثه ما أخّر » . أخرجه البخاريّ . هذا وقد حكي : أنّ بعض العلماء كان يصنع كثيرا من المعروف ، ثمّ يحلف : أنّه ما فعل مع أحد خيرا ، فقيل له في ذلك ، فيقول : إنّما فعلت مع نفسي ، ويتلو : وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ . وخذ قوله تعالى في آخر سورة ( المزمّل ) : وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً . هذا ؛ والمراد ب : خَيْرٍ في هذه الآية في الموضعين : المال ، قال تعالى في سورة العاديات : وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ، ويكون الخير بمعنى : الطّعام ، كما في قوله تعالى حكاية عن قول موسى - على نبينا وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - في سورة ( القصص ) رقم [ 24 ] : رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ، ويكون بمعنى القوّة ، كما في قوله تعالى في سورة ( الدخان ) رقم [ 37 ] : أَ هُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ويكون بمعنى العبادة والطاعة ، كما في قوله تعالى في سورة ( الأنبياء ) رقم [ 73 ] : وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ ويكون بمعنى الوحي ، كما في قوله تعالى في الآية رقم [ 105 ] من هذه السّورة : ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ . وأخيرا : يكون بمعنى المطر ، قال الشّاعر - وهو الشّاهد رقم [ 202 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » - : [ البسيط ] سقى الحيا الأرض حتّى أمكن عزيت * لهم فلا زال عنها الخير مجدودا وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ : طلب مرضاته تعالى ، ورضوانه ، قال عطاء الخراساني : يعني إذا أعطيت لوجه اللّه ؛ فلا عليك ما كان عمله ، والمعنى : أنّ المتصدق إذا تصدّق ابتغاء وجه اللّه ؛ فقد وقع أجره على اللّه ، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب : ألبرّ أو فاجر ، أو مستحقّ ، أو غيره ؟ وهو مثاب على قصده ، ومستند هذا تمام الآية ، والحديث المخرّج