الشيخ محمد علي طه الدرة
646
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
فإذا حال الحول على عروض التّجارة ، قوّمت ، فإن بلغت قيمتها النّصاب أخرج منها ربع العشر . وخذ ما يلي : عن المقدام - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما أكل أحد طعاما قطّ خيرا من أن يأكل من عمل يده ، وإنّ نبيّ اللّه ، داود كان يأكل من عمل يده » أخرجه البخاريّ . وعن عائشة : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « إنّ أطيب ما أكلتم من كسبكم ، وإنّ أولادكم من كسبكم » أخرجه الترمذيّ ، والنسائي . وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ : ظاهر الآية يدلّ على وجوب الزّكاة في كل ما خرج من الأرض من النبات ، ممّا يزرع الآدميون ، لكن جمهور العلماء خصّصوا هذا العموم ، فأوجبوا الزكاة في النّخيل والكروم ، وفيما يقتات ، ويدّخر من الحبوب ، وأوجب أبو حنيفة رضي اللّه عنه الزكاة في كلّ ما يقصد من نبات الأرض ، كالفواكه ، والبقول ، والخضراوات ، كالبطيخ ، والقثاء ، والخيار ، ونحو ذلك ، دليل الجمهور ما روي عن معاذ - رضي اللّه عنه - : أنّه كتب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يسأله عن الخضروات ، وهي البقول : فقال : « ليس فيها شيء » أخرجه الترمذيّ ، وقال الزهريّ ، والأوزاعيّ ، ومالك : تجب الزكاة في الزّيتون ، وتجب في الثّمار عند بدوّ الصلاح ، وهو أن يحمرّ البسر ، ويصفرّ وقت الإخراج بعد الاجتناء ، والجفاف ، وفي الحبوب عند الاشتداد ، ووقت الإخراج بعد الدراس ، والتصفية . وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ أي : ولا تقصدوا الرديء من أموالكم . مِنْهُ تُنْفِقُونَ أي : من الخبيث ، عن البراء بن عازب - رضي اللّه عنه - قال : نزلت الآية فينا معشر الأنصار ؛ كنا أصحاب نخل ، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته ، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين ، فيعلقه في المسجد ، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام ، فكان أحدهم إذا جاع ؛ أتى القنو ، فضربه بعصاه ، فسقط البسر ، أو التمر ، فيأكل ، وكان الناس ممّن لا يرغب في الخير ، فيأتي بالقنو ، فيه الشّيص ، والحشف ، وبالقنو قد انكسر ، فيعلقه ، فأنزل اللّه تعالى الآية . وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ أي : لو أنّ أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى ؛ لم يأخذه إلا على إغماض ، وحياء ؛ فكيف تؤدّون منه حق اللّه تعالى ؟ ! قال البراء - رضي اللّه عنه - : فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده ، أخرجه الترمذي . هذا ؛ والإغماض في اللغة : غض البصر ، وإطباق الجفن ، والمراد به هنا : التجوّز والمساهلة ؛ لأنّ الإنسان إذا رأى ما يكره ؛ أغمض عينيه ؛ لئلا يرى ذلك ، ففي الكلام مجاز مرسل ، أو استعارة ، ومن ذلك قول الطرماح : [ الخفيف ] لم يفتنا بالوتر قوم وللذّ * لّ أناس يرضون بالإغماض وقد يحتمل أن يكون منتزعا من تغميض العين ؛ لأنّ الذي يريد الصبر على مكروه يغمض عينيه ، قال الشاعر : [ الطويل ]