الشيخ محمد علي طه الدرة
601
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
أو الرابط محذوف ، التقدير : يفعل الذي ، أو : شيئا يريده ، وجملة : يَفْعَلُ . . . إلخ في محل رفع خبر ( لكِنِ ) ، والجملة الاسمية معطوفة على جواب ( لَوْ ) لا محل لها مثله . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 254 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 254 ) الشرح : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا : نادى اللّه عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف ، وألطف عبارة ؛ أي : يا من صدقتم اللّه ورسوله ، وتحلّيتم بالإيمان ؛ الذي هو زينة الإنسان ، وقد خاطب اللّه عباده المؤمنين بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن ، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم بأنّ الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقّى أوامر اللّه ونواهيه بحسن الطاعة والامتثال ، وإنّما خصّهم اللّه بالنّداء ؛ لأنهم هم المستجيبون لأمره ، المنتهون عما نهى عنه ؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر ، أو نهي . أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ : الإنفاق : بذل المال ، وهو يشمل الواجب ، مثل الزكاة ، والكفارات على جميع أنواعها ، واختلاف مراتبها ، والمندوب ؛ أي : صدقات التطوّع ، قال ابن جريج ، وسعيد بن جبير - رحمهما اللّه تعالى - : هذه الآية تجمع الزّكاة المفروضة ، والتطوّع . هذا ؛ والفعل الماضي : أنفق ، وهو رباعي الحروف ، مضارعه : يؤنفق ، ويكون ثلاثيّا : نفق ، قاله الزّمخشري - رحمه اللّه تعالى - : مِمَّا رَزَقْناكُمْ : صريح بأنّ المال الذي بيد العبد إنّما هو من فضله تعالى ، وكرمه ، وجوده ، والعبد موكل على المال وكالة ، كما قال تعالى في سورة ( الحديد ) : وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ . مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ : المراد به يوم القيامة . لا بَيْعٌ فِيهِ أي : ولا شراء ، والمعنى لا يباع أحد من نفسه ، ولا يفادى بمال ، ولو بذله ، ولو جاء بملء الأرض ذهبا ، لا يقبل . وَلا خُلَّةٌ : ولا صداقة ، ولا مودة ، وهي بضم الخاء ، وهي أيضا ما خلا من النبات ، يقال : الخلة خبز الإبل ، والحمض فاكهتها ، والخلة بالفتح : الفقر ، والحاجة ، وهي أيضا الخمرة الحامضة ، وهي بكسر الخاء نبات معروف ، تنظف به الأسنان من آثار الطّعام ، وهي أيضا ما يبقى بين الأسنان . هذا ؛ والخلّة بالضم : الخليل ، يستوي فيه المذكر والمؤنث ؛ لأنّه في الأصل مصدر قولك : خليل بيّن الخلّة . هذا ، والخليل هو الصّديق الّذي صفت مودّته ، فتجد من خلاله مثل ما يجد من خلالك ، ويسعى لمصلحتك ، كما يسعى لمصلحته ، بل قد يؤثرك على نفسه ، ويبذل روحه من أجلك ، كما قال ربيعة بن مقروم الضّبيّ : [ الوافر ] أخوك أخوك من تدنو وترجو * مودّته ، وإن دعي استجابا إذا حاربت حارب من تعادي * وزاد سلاحه منك اقترابا