الشيخ محمد علي طه الدرة

598

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

قدرته ، وتعالت حكمته : أن ما يقع إنّما هو بمشيئته ، كما قال تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً . فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ : باللّه ، ورسله ، وكتبه ، وملائكته ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ أي : بعد نبيه حيث ترك تعاليمه ، وخالف أمره ، كما فعل اليهود ، والنصارى بعد موسى ، وعيسى ، وغيرهما ، وكما فعل كثير من المسلمين ، ويفعلون . وفي قوله : فَمِنْهُمْ تفصيل للاختلاف ، مثل سابقه ، وبين آمَنَ و كَفَرَ طباق . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا : كرره للتأكيد ، أي : لو شاء اللّه ألا يقتتلوا ؛ لم يقتتلوا ؛ إذ لا يجري في ملكه إلا ما يوافق مشيئته ، وهذا يبطل قول المعتزلة ، فإنّهم يقولون : شاء أن لا يقتتلوا ، فاقتتلوا ، وقد صفع ابن المنير الزّمخشريّ صفعة لطيفة على حيله ، وتحيله . وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ : أثبت اللّه لنفسه الإرادة ، كما هو مذهب أهل السنة ، يعني : أنّ اللّه تعالى يوفق من يشاء لطاعته والإيمان به فضلا منه ، ورحمة ، ويخذل من يشاء عدلا منه ، لا اعتراض عليه في ملكه ، وفعله . سأل رجل عليّا - رضي اللّه عنه - عن القدر ، فقال : طريق مظلم ، فلا تسلكه ، فأعاد السؤال ، فقال : بحر عميق ، فلا تلجه ، فأعاد السؤال ، فقال : سرّ اللّه قد خفي عليك ، فلا تفتشه . تنبيه : أثبتت الآية الكريمة التفاضل بين الرّسل ، كما أثبته اللّه في سورة ( الإسراء ) بقوله : وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً وهذا مشكل ، والأحاديث الثابتة بأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تخيّروا بين الأنبياء » و « لا تفضّلوا بين أنبياء اللّه » . رواه الشّيخان عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - بلفظ : استبّ رجل من المسلمين ، ورجل من اليهود ، فقال اليهوديّ : لا والذي اصطفى موسى على العالمين ، فلطم المسلم بيده وجه اليهودي . . . إلخ ، وفي ذلك أجوبة : الأول : أن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتّفضيل . القول الثاني : أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بين أنه سيد ولد آدم ، وأنّ القرآن ناسخ للمنع من التفضيل . القول الثالث : أنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أراد بقوله : « لا تخيّروني على موسى » وقوله : « لا يقل أحد : أنا خير من يونس بن متّى » التواضع . القول الرابع : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نهى عن الخوض في ذلك ؛ لأنّه يؤدّي إلى الجدال ، وذلك يؤدي إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر ، ويقلّ احترامهم لبعض الأنبياء عند المماراة . القول الخامس : أن التفضيل تابع للتفاوت في الفضائل النّفسانية التي وهبها اللّه لكلّ واحد ، ولهذا اشتهر منهم أولو العزم ، الّذين تحمّلوا المتاعب ، والمصاعب فما وهنوا ، وما استكانوا لما أصابهم في سبيل اللّه ، وعلى ما تقدّم فلا تفاضل من جهة النّبوة ، التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها . وهكذا القول في الصّحابة إن شاء اللّه الذين اشتركوا في الصّحبة ، ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم اللّه من المواهب ، والوسائل ، فهم متفاضلون بتلك مع أن الكلّ شملتهم الصّحبة ،