الشيخ محمد علي طه الدرة

59

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

رفع مثلها . فِي طُغْيانِهِمْ : متعلقان بالفعل قبلهما ، أو هما متعلقان بما بعدهما ، والهاء في محل جر بالإضافة ، من إضافة المصدر لفاعله . يَعْمَهُونَ : فعل مضارع ، والواو فاعله ، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب ، أو من الضمير المجرور محلّا بالإضافة ، والرابط واو الجماعة فقط . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 16 ] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) الشرح : أُولئِكَ : أي : الموصوفون بالصفات السابقة من قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إلى هنا . الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى : الشّراء هنا مستعار ، والمعنى : استحبّوا الكفر على الإيمان ، كما قال اللّه تعالى في سورة ( فصلت ) رقم [ 17 ] : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فعبّر عنه بالشراء ؛ لأن الشراء إنّما يكون فيما يحبه مشتريه ، فأما أن يكون بمعنى شراء المعاوضة فلا ؛ لأن المنافقين لم يكونوا مؤمنين ، فيبيعون إيمانهم . وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أخذوا الضلالة ، وتركوا الهدى ، ومعناه : استبدلوا ، واختاروا الكفر على الإيمان ، وإنما أخرجه بلفظ الشراء توسعا ؛ لأنّ الشراء والتجارة راجعان إلى الاستبدال ، والعرب تستعمل ذلك في كلّ من استبدل شيئا بشيء ، قال أبو ذؤيب الهذلي ، وهو الشاهد رقم [ 771 ] من كتابنا فتح القريب المجيب : [ الطويل ] فإن تزعميني كنت أجهل فيكمو * فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل هذا والباء بمعنى : « بدل » وقد دخلت على المتروك . فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ : أسند اللّه تعالى الربح إلى التجارة على عادة العرب في قولهم : ربح بيعك ، وخسرت صفقتك ، وقولهم : ليل قائم ، ونهار صائم ، والمعنى : ربحت ، وخسرت في بيعك ، وقمت في ليلك ، وصمت في نهارك ، أي : فما ربحوا في تجارتهم ، قال الشاعر : [ الطويل ] نهارك هائم وليلك نائم * كذلك في الدّنيا تعيش البهائم و ( الهدى ) المراد به الإيمان ، وإنّما أخرج الاستبدال بلفظ الشّراء والتجارة توسعا على سبيل الاستعارة ؛ لأن الشراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر ، فقد جعلوا لتمكنهم من الإيمان ، كأنّه في أيديهم ، فإذا تركوه إلى الضلالة ؛ فقد عطّلوه ، واستبدلوه بها . انتهى . خازن بتصرف ، وقال النسفي : وإنّما قال : اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى ولم يكونوا على هدى ؛ لأنّها في قوم آمنوا ، ثمّ كفروا ، أو في اليهود الذين كانوا مؤمنين بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم قبل مبعثه : فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا