الشيخ محمد علي طه الدرة
509
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
عَنِ الْخَمْرِ : الْخَمْرِ : مأخوذ من خمر : إذا ستر ، ومنه : خمار المرأة . وكلّ شيء غطّى شيئا فقد خمره . ومنه قول النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « خمّروا آنيتكم » . فالخمر تخمر العقل ، أي : تغطيه ، وتستره ، ومن ذلك الشّجر الكثير الملتف يقال له : الخمر بفتح الميم ؛ لأنه يغطّي ما تحته ، ويستره ، يقال منه : أخمرت الأرض : كثر خمرها ، قال الشاعر : [ الوافر ] ألا يا زيد والضّحّاك سيرا * فقد جاوزتما خمر الطّريق أي : سيرا مدلّين فقد جاوزتما الوهدة الّتي يستتر بها الذّئب ، وغيره . وهو على حذف مضاف ؛ إذا التقدير : يسألونك عن شرب الخمر . وَالْمَيْسِرِ أي : وعن تعاطي الميسر : وهو قمار العرب بالأزلام ، واشتقاقه من اليسر ؛ لأنّه أخذ المال بسهولة من غير تعب ، قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : كان الرّجل في الجاهلية يقامر الرّجل على أهله ، وماله ، فأيّهما قمر صاحبه ؛ ذهب بماله ، وأهله . والأزلام هي : سهام الميسر ، وهي أحد عشر سهما ، منها سبعة لها حظوظ ، وفيها فروض على عدد الحظوظ ، وهي : الفذّ ، وفيه علامة واحدة ، وله نصيب ، وعليه نصيب إن خاب . الثاني : التوءم ، وفيه علامتان ، وله نصيبان وعليه نصيبان . الثالث : الرّقيب ، وفيه ثلاث علامات على ما ذكرنا . الرابع : الحلس ، وله أربع . الخامس : النّافر ، أو النافس أيضا ، وله خمس . السّادس : المسبل ، وله ست . السّابع : المعلّى ، وله سبع ، فذلك ثمانية ، وعشرون فرضا ، وأنصباء الجزور كذلك في قول الأصمعي ، وبقي من السّهام أربعة ، وهي الأغفال ، لا فروض لها ، ولا أنصباء ، وهي : المصدّر ، والمضعّف ، والمنيح ، والسّفيح . وقيل : الباقية الأغفال الثلاثة : السّفيح ، والمنيح ، والوغد . قال بعضهم : [ مجزوء الرمل ] لي في الدّنيا سهام * ليس فيهنّ ربيح إنمّا سهمي وغد * ومنيح وسفيح تزاد هذه الثلاثة لتكثر السّهام على الّذي يجيلها ، فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلا . وكانت عادة العرب أن تضرب الجزور بهذه السّهام في الشدّة ، وضيق الوقت ، وكلب البرد على الفقراء ، يشترى الجزور ، ويضمن الأيسار ثمنها ، ويرضى صاحبها من حقّه ، وكانوا يفتخرون بذلك ، ويذمّون من لم يفعل ذلك منهم ، ويسمونه البرم ؛ أي : البخيل . قال متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك ، ومدحه : [ الطويل ] ولا برما تهدي النّساء لعرسه * إذا القشع من برد الشّتاء تقعقعا وكانوا لا يأكلون منه شيئا ، ويدعونه للفقراء ، ويكتفون بمدح الناس لهم ، والثّناء عليهم . تنبيه : نزل في الخمر أربع آيات ، نزل في مكّة قوله تعالى في سورة ( النّحل ) : وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فهذه الآية في معرض الامتنان على الناس جميعا ، فكان المسلمون يشربونها ، وهم في مكّة ، وهي حلال لهم ، وبعد