الشيخ محمد علي طه الدرة

496

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

- رضي اللّه عنه - قال : قلنا : يا رسول اللّه ! ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو اللّه لنا ؟ قال : « كان الرّجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض ، فيجعل فيه ، فيجاء بالمنشار ، فيوضع على رأسه ، فيشقّ باثنتين وما يصدّه ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم ، أو عصب ، وما يصدّه ذلك عن دينه ، واللّه ليتمّنّ هذا الأمر ، حتى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضرموت ، لا يخاف إلا اللّه ، أو الذّئب على غنمه ، ولكنّكم تستعجلون » . رواه البخاري [ 3612 ] . حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أي : بلغ بهم الضجر ، ولم يبق لهم صبر ؛ حتى قالوا ذلك . ومعناه : طلب الصبر ، وتمنيه ، واستطالة زمان الشدة ، بحيث تقطّعت حبال الصّبر عندهم ، وفي هذه الغاية دليل على تناهي الأمر في الشدّة ، وتماديه في العظم ؛ لأنّ الرسل لا يقادر قدر ثباتهم ، واصطبارهم ، وضبطهم لأنفسهم ، فإذا لم يبق لهم صبر حتّى ضجوا ؛ كان ذلك الغاية في الشدّة ؛ التي لا مطمع وراءها . أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ : هذا جواب من اللّه تعالى ، ووعد لهم بالنصر ، وفي ضمنه كلام آخر ، التقدير : فاصبروا ، كما صبروا ؛ تظفروا بالنّصر ، كما ظفروا . هذا ؛ وقرى : حَتَّى يَقُولَ بالنصب على إضمار « أن » ومعنى الاستقبال ؛ لأنّ « أن » تصرف الفعل المضارع له . وقرئ بالرّفع على أنه بمعنى الحال ، كقولك : شربت الإبل حتى يجيء البعير بطنه ، إلا أنها حال ماضية محكية . وانظر مبحث « حتّى » في كتابنا : « فتح القريب المجيب » تجد ما يسرك ، ويثلج صدرك . تنبيه : قال قتادة ، والسّدي ، وأكثر المفسرين : نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصابهم من الجهد والشدّة ، والحرّ ، والبرد ، وسوء العيش ، وأنواع الشدائد ، وكان كما قال اللّه تعالى في سورة ( الأحزاب ) : وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ ، وقيل : نزلت في حرب ( أحد ) نظير هذه الآية قوله تعالى في سورة ( آل عمران ) : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ رقم [ 142 ] . وقالت جماعة أخرى : نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم ، وأموالهم بأيدي المشركين ، وآثروا رضا اللّه ورسوله ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأسرّ قوم من الأغنياء النفاق ، فأنزل اللّه الآية الكريمة تطييبا لقلوبهم ، وتفريجا لهمومهم . واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه . الإعراب : أَمْ : حرف عطف بمعنى « بل » . حَسِبْتُمْ : فعل ، وفاعل . أَنْ : حرف مصدري ، ونصب . تَدْخُلُوا : فعل مضارع منصوب ب أَنْ وعلامة نصبه حذف النون ، والواو فاعله ، والألف للتفريق ، و أَنْ والفعل المضارع : تَدْخُلُوا في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي حَسِبْتُمْ والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها ، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين . الْجَنَّةَ : مفعول به . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 58 ] . وَلَمَّا : الواو :